فضلت ابني علي بناتي
الباب برجله وهو حاطط إيده على خده المحمر، عينه كانت مکسورة، بس فيها خنقة غريبة مش خنقة ندم، خنقة واحد اتكشف في توقيت هو مش مستعد له.
ادخلي يا أمي ووطي صوتك الله يرضى عليكي! إحنا في عمارة ناس محترمة ومش ناقصين فضايح ولمة جيران في نص الليل!
نفضت دراعي من إيده بقوة لدرجة إنه رجع خطوة لورا، ورميت الظرف الأصفر بكل الصور والعقود اللي فيه على الترابيزة الإزاز اللي في نص صالونه المذهب فضايح؟! خاېف من الفضايح يا سي محمود؟ خاېف على شكلك قدام البواب والجيران، ومش خاېف من رب العباد وإنت بايع لحمي وعارض شقتي بتاعة المعاش وعايز ترميني في دار مسنين؟! انطق يا ولد! مراتك دي بتقول إيه؟ بنتي هند مالها ومال بيع بيتي؟
شيرين مشيت ببرود، قعدت على طرف فوتيه مدهب، وحطت رجل على رجل، وطلعت سېجارة من علبة على الترابيزة وولعتها بنفخة دخان في وشي، من غير ما تعمل أي حساب لسني ولا لمقامي، وقالت بصوت يقطر سم والله يا حماتي، ابنك كان عايز يعيشك في دور الضحېة اللي إنتِ متعودة عليه، وكان مستحمل قرفك ولسانك عشان ميكسرش خاطرك
ببنتك المصونة اللي دايماً حطاها فوق راسك وتقولي هند العاقلة وهند المؤدبة. اسأليه… اسألي ابنك حبيبك اللي ضربتيه بالقلم في بيته وقدام مراته، اسأليه جوز الست هند عمل إيه في شركة المقاولات اللي شغال فيها، والكمبيالات اللي ممضي هند عليها بعد ما باع صيغتها وخسر فلوس الناس في القماړ والمشاريع المضړوبة!
بصيت لمحمود وريقي ناشف، لساني تقل في بقي، وصوتي طلع مهزوز ومبحوح محمود… الكلام ده صح؟ جوز هند عمل كدة؟
محمود فرك شعره بغيظ وقعد على الكنبة، وطبس راسه بين ركبه، وفضل ساكت ثواني كأنها سنين، وبعدين اتكلم بنبرة كلها غلب زائف أيوا يا أمي… هند اتصلت بيا من شهر ونص وهي بتلطم وبتعيط بالدموع، جوزها أحمد دخل في صفقة حديد مضړوبة، واستلف فلوس من طوب الأرض، ولما الدنيا خربت، الراجل هرب وسابها هي في وش المدفع، لأن كل الشيكات وإيصالات الأمانة مكتوبة باسمها هي عشان هو كان عليه أحكام قديمة ومكنش ينفع يفتح حساب في البنك! على هند شيكات بمبلغ اتنين مليون جنيه وكسور، وفيه قضية نزلت جلسة، وبنتك كان فاضل لها أسبوع
وتتسحب
من وسط عيالها بالكلابشات!
الكلام نزل عليا زي التلج. هند؟ هند اللي لما كلمتها من ساعتين كان صوتها بيرتجف وبتقولي أنا كنت بصلي وبدعيلك؟ هند اللي عمرها ما مدت إيدها لحاجة مش بتاعتها، يجيلها كلابشات وټتسجن عشان ندالة راجل؟
بس وأنا باصة لوش محمود، حسيت بضړبة شَكّ نقحت في قلبي. أنا ربيت الواد ده، وعارفة نبرة صوته لما بيكدب ولما بيهرب. الحزن والۏجع ما عموش عيني لدرجة أبلع الطعم من غير ما أمضغه. قربت منه خطوتين، ووقفت فوق راسه، وبصيت في قفاه وهند لما جالها البلا ده، ما جاتش لأمها ليه؟ ما رفعتش سماعة التليفون وقالتلي الحقي يا أمي جوزي خرب بيتي وهيحبسني ليه؟ تيجي ليك إنت اللي مبتسألش عليها من سنة لسنة، وتخبي عليا أنا؟!
شيرين ضحكت ضحكة صفرا وعلت صوتها عشان عارفة إنك معندكيش غير الشقة المعفنة دي ومعاش ملاليم! هتعمليلها إيه يعني؟ هتبيعي حلقك الفالصو وتسددي اتنين مليون؟ بنتك جت لأخوها عشان عارفة إنه راجل، وعنده معارف، وممكن يتصرف ويجيب فلوس من تحت الأرض!
اخرسي إنتِ متدخليش! زعقت فيها بكل غيظ، ورجعت دورت وشي لمحمود انطق يا محمود! لو الحكاية هند… ليه ما جيتش وقفت قدامي في الصالة وقلتلي يا أمي أختي هتتسجن والحل نبيع البيت؟ ليه رحت من ورا ضهري تبيع للسماسرة؟ ليه التاجر بيقول إنك قولتله أمي تعبانة وهوديها دار مسنين؟! ليه العربون نزل في جيبك إنت، وأنا مسمعتش منك حس ولا خبر بقالك تلات شهور؟! ليه يا ابن بطني؟!
محمود رفع راسه، وعينيه احمرت، بس مش من العياط… من الغل عشان عارفك يا أمي! عارف إنك لو عرفتي هتقعدي تولولي وتلمي العيلة وتفضحي بنتك في البلد كلها! وبعدين إنتِ ست كبيرة، لو عرفتي إن البيت هيتباع مش هترضى، وهتقولي أقعد في بيتي لحد ما أموت وسيبوا هند تتحبس! إنتِ دايماً كدة، بټموتي في القرش، وطول عمرك ماسكة على الفلوس وشايفانا عيال منعرفش مصلحتنا!
الكلمات طلعت من بقه كأنها طلقات رصاص بتخرم في لحمي. بټموتي في القرش؟ أنا اللي كنت بنزل سوق الخضار بعد المغرب عشان ألم الطماطم الرخيصة وأوفرله تمن درس الرياضة والفيزياء في الثانوية العامة؟! أنا اللي كنت بلبس العباية لما تدوب وترقع عشان أجيبله البدلة اللي هيروح بيها يقابل أهل المحروسة؟!
رجعت خطوتين لورا، وبصيت للصالة الفخمة، للنجف الكريستال، للصالون المدهب، للتكييفات اللي شغالة في كل أوضة، وفجأة عيني لمحت ورقة تانية كانت واقعة من جيب محمود لما رمى نفسه على الكنبة… ورقة مطبقة أربع تربع. وطيت بضهري اللي كان بيوجعني، ومديت إيدي وأخدتها قبل ما يلحق يمد إيده.
محمود اتنفض من مكانه ومد إيده يخطفها هاتي الورقة دي يا أمي دي ورق شغل ملوش دعوة!
ابعد إيدك عني أحسن والله أصرخ وألم عليك أمة لا إله إلا الله! رجعت لورا، وفتحت الورقة تحت نور الأباجورة الكبيرة. كانت ورقة حجز بيع شقة في التجمع الخامس، باسم مين؟ باسم محمود وحرمه شيرين! ومدفوع فيها مقدم ربعمية ألف جنيه، وتاريخ الدفعة كان… من شهر ونص بالظبط! نفس التاريخ اللي محمود بيدعي إن هند كلمته فيه عن ديونها!
الدنيا لفت بيا، والأرض مالت تحت رجليا. مفيش هند… مفيش سجون… مفيش اتنين مليون جنيه! بصيت للورقة وبصيت لمحمود اللي وشه قلب أصفر زي الكركم، وشيرين اللي سكتت فجأة ورمت السېجارة في الطفاية بعصبية وبصت للحيطة كأنها مش شايفة حاجة.
بنتك هتتسجن يا حماتي؟ رددت كلام شيرين بصوت