فضلت ابني علي بناتي
كنت ببيع دهبي غويشة ورا غويشة عشان ادفعله مصاريف الماجستير اللي ما كملهوش، ده أنا يوم جوازه استلفت من طوب الأرض عشان مراته ما تحسش بنقص قدام أهلها! تعمل فيا كده يا محمود؟ ترخصني بالرخص ده؟
قعد كمال على طرف الكرسي أخيرًا وهو مطبس راسه في الأرض اسمعيني كويس يا إسراء، إنتِ لازم تفوقي. الصدمة قوية وعارف إن قلبك پينزف، بس البكا مش هيرجعلك حقك، الواد باع واشترى فيكي بجد، ولو فضلتي قاعدة تندبي حظك، هتلاقي الصبح تاجر الخردة والبلطجية واقفين بيكسروا الباب ويقولولك اطلعي برة برضاكي ولا بالقوة، التوكيل اللي معاه ساري ومفهوش غلطة قانونية لو هو أثبت استلامك للفلوس، ولازم المحامي اللي جابلي الورق ده نتحرك معاه الليلة قبل بكرة، نعمل إلغاء للتوكيل في الشهر العقاري ونسجل إثبات حالة إنه باع بأقل من تمن المثل أو استغل التوكيل للإضرار بموكله.
مسحت دموعي بإيدي اللي كانت بتبان عليها تجاعيد السنين، وفجأة، وسط الڼار اللي كانت قايدة في حشاي، لمع في دماغي وش بناتي الاتنين… هند الكبيرة اللي متجوزة في المنصورة، وندى الصغيرة اللي مسافرة مع جوزها في أسوان. يا ۏجع قلبي… بناتي اللي كنت بقسى عليهم عشان أرضيه، بناتي اللي لما كانت واحدة فيهم تيجي تشتكيلي من ضيقة حال ولا مصاريف مدارس عيالها، كنت أقولها معلش يا بنتي، جوزك ملزوم بيكي، إنما محمود ده هو الراجل، هو اللي شايل اسم أبوكي، بناتي اللي جهزتهم بأقل القليل عشان أوفر الفلوس لشقة محمود ومهر مراته!
طلعت تليفوني من جيبي، التليفون اللي ما رنش عليه محمود بقاله تلات شهور، ودست على رقم بنتي هند. الساعة كانت داخلة على واحدة بالليل، بس الخط ما كملش رنتين ولقيت هند بترد بلهفة وصوتها مخضوض أمي؟! خير يا ماما، فيكي حاجة؟ إنتِ كويسة؟ قلبك واجعك تاني؟ ردي عليا يا ماما بالله عليكي!
سمعت صوتها الحنين، الصوت اللي كنت دايماً بقابله ببرود عشان مركزة مع سي محمود، الصوت اللي خلى المرارة في حلقي تزيد ألف ضعف. اتنهدت بصوت متقطع هند… إنتِ صاحية يا بنتي؟
صاحية يا أمي، والله العظيم كنت لسه قاعدة بسبح وبدعيلك، حسيت فجأة بۏجع في صدري وقلت يا ترى أمي عاملة إيه؟ قوليلي يا ماما مالك؟ صوتك مش عاجبني خالص، محمود عنده حاجة؟ جراله حاجة؟
حتى هي، أول ما فكرت، فكرت في أخوها اللي عمره ما اتصل بيها يعيد عليها في مناسبة! غمضت عيني وقلت لها بصوت حاول يستجمع كل قوته الباقية محمود كويس يا هند… بس أمك هي اللي مش كويسة. خدي أول قطر الصبح إنتِ وأختك ندى، وتعالولي على هنا، محتاجاكم جنبي يا بناتي… محتاجاكم تسندوا أمكم اللي كانت عميانة وضيعت سنين عمرها في وهم.
ماما! إنتِ بتقولي إيه؟ في إيه بيحصل؟ فهمني يا ماما متوجعيش قلبي!
لما تيجوا هتفهموا كل حاجة، بس تعالوا بسرعة قبل ما يترمى عفش أمكم في الشارع.
قفلت السكة مع هند، وبصيت للحاج كمال ولقيت ملامحي اتغيرت، الضعف والكسرة اللي كانوا ماليين وشي بدأ يتحول لجمود قاسې، نوع الۏجع اللي بيوصل لآخره فبيتحول لحجر مبيحسش. كمال… المحامي ده مكتبه فين؟
مكتبه في رمسيس، واسمه الأستاذ عادل، وده راجل محترم وكان من معارف أبو محمود الله يرحمه، وهو اللي حذرني أول ما شاف الورق يلف في السوق عشان عارف البيت وعارفك.
تمام… إحنا هنروح له مع أول ضوء للشمس. بس قبل ما نروح له، في مشوار تاني أنا لازم