سواق الامن
حضنتها بكل قوتي.
“ماما!”
ضمّيتها.
وبكيت.
مش بكاء الست اللي اكتشفت إن جوزها خائن.
ولا بكاء الأم اللي عرفت إن بنتها مش بنتها بالدم.
ده كان بكاء أم اكتشفت إن كل حاجة حبتها في حياتها كانت واقفة على حافة هاوية.
لكن لما رفعت عيني، لقيت عمي واقف بعيد.
بصلي.
وقال:
“أخيراً يا إلهام.”
وقفت قدام فريدة.
“انتهت لعبتك.”
ابتسم.
“لأ.”
بص لكريم.
“دلوقتي بدأت.”
وقالت:
“أبويا كان عارف إن اليوم ده هييجي.”
فتحنا الظرف.
كان فيه تسجيل قديم، وخطاب.
الخطاب كان موجهاً لي.
بدأت أقرأ.
“إلهام، لو بتقري الكلام ده، يبقى أخيراً عرفتي إن الحقيقة ما ماتتش معايا.”
دموعي نزلت.
“خليكي فاكرة حاجة واحدة: العيلة مش بالدم، العيلة باللي يفضل واقف جنبك لما الدنيا كلها تقع.”
بصيت لفريدة.
ثم لجـيهان.
ثم لكريم.
وفهمت أخيراً.
كل الأسرار دي كانت مؤلمة.
لكنها كانت تخبي حقيقة أكبر:
أنا خسرت جزءاً من الماضي.
لكنني لم أخسر عائلتي.
فريدة فضلت بنتي.
وجهان فضلت أختي.
وكريم…
كريم كان عليه حساب طويل معايا.
مش لأن الخيانة حصلت.
لكن لأن واحد وتلاتين سنة من عمري اتبنت فوق أسرار ما كانش من حقه يقرر وحده إني ما أعرفهاش.
قربت منه.
وقلت:
“أنا مش هسامحك النهارده.”
خفض عينيه.
“عارف.”
“ومش هنسى.”
“عارف.”
“بس لو هتفضل في حياتي…”
رفع عيني.
قلت:
“من النهارده مفيش أسرار.”
هز رأسه.
ومسك إيد فريدة.
أما عمي، فخرج من المكان محاطاً بالناس اللي كانوا مستنيينه من زمان.
وفي اليوم التالي، بدأت الحقيقة تظهر واحدة وراء الثانية.
اتفتحت القضايا القديمة.
ظهرت المستندات.
واتكشفت شبكة كاملة كانت مستخبية لسنين.
أما أنا، فرجعت لمكاني في القوات المسلحة.
لكن المرة دي ما رجعتش بنفس المرأة اللي سافرت قبلها.
رجعت وأنا فاهمة إن أقسى المعارك مش دايماً بتكون في الميدان.
أحياناً بتكون جوه بيتك.
وأحياناً أقرب شخص ليك ممكن يخبي عنك الحقيقة بحجة إنه بيحميك.
لكن الحقيقة مهما اتدفنت…
بتعرف طريقها للنور.
وبعد واحد وتلاتين سنة من الجواز، وقفت قدام كريم في بيتنا، وبصيت للصورة القديمة المعلقة على الحائط.
صورة لينا يوم فرحنا.
قلت له:
“فاكر اليوم ده؟”
ابتسم بحزن.
“أنساه إزاي؟”
قلت:
“أنا كنت فاكرة إن حياتنا بدأت يوم الصورة دي.”
وسكتُّ لحظة.
“طلعت حياتنا الحقيقية بتبدأ النهارده.”
ومن جوه الصالة، سمعت صوت فريدة وهي بتنادي: