سواق الأمن ضحك لما قلتله إني هنا عشان أعمل مفاجأة لجوزي. ما كانتش ضحكة توتر، ولا من النوع اللي بيضحكه الواحد لما يكون مش على بعضه. دي كانت ضحكة طالعة من القلب، فيها تريقة وشفقة في نفس الوقت، كأن واحدة ست شعرها شايب ولابسة زيتي دخلت فجأة صالة واحدة من أكبر شركات الشحن والنقل في القلج أو التجمع، وبتدّعي إنها تملك البرج كله. قلتله: “أفندم؟” لاني بجد افتكرت نفسي سمعت غلط. الراجل سند ضهره لورا على الكرسي والابتسامة لسة على وشه: “يا فندم، مدام الأستاذ كريم فوق في مكتبه أساساً”. في اللحظة دي، حسيت الصالة كلها بتميل بيا. الأرض الرخام، الأسانسيرات الشيك، الواجهات الإزاز اللي كاشفة المحور، علم مصر اللي محطوط جنب مكتب الاستقبال.. كل حاجة فضلت في مكانها، بس مفيش أي حاجة بقت مفهومة. قلت بالراحة وبكل ثبات: “جوزي هو الأستاذ كريم المنشاوي”. ابتسامة الأمن خفت شوية: “أيوا يا فندم، عارفين”. ”وبتقولي إن مراته هنا فوق؟” بص ناحية الأسانسير الخاص بالمديرين وقال: “دي بتيجي هنا تقريباً كل يوم”. الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة، بس شرخت حاجة جوايا. أنا سوقت تلات ساعات كاملة من معسكر الجيش في الإسماعيلية بعد ما أخدت إجازة مفاجئة. ما رضيتش أكلم كريم عشان كنت حابة أعمله مفاجأة عمره. بعد واحد وتلاتين سنة جواز، وبعد ما فاتتنا مناسبات وذكرى جواز كتير، وعزومات أعياد وفطار في رمضان كنا بنقضيها فيديو كول، وأعياد ميلاد بنحتفل بيها بشنط هدايا بتتبعت من المحافظات، كنت فاكرة إننا نستاهل لحظة رومانسية من بتاعة زمان. تخيلت نفسي داخلة عليه مكتبه، وتخيلت وشه وهو بينور أول ما يشوفني، وكنت متوقعة ياخدني في حضنه ويهمسلي: “حمد الله على السلامة يا إلهام، نورتي بيتك”. لكن بدال كل ده، لقيت فرد أمن عنده حاجة وعشرين سنة بيبصلي كأني واحدة فاقدة الأهلية. وبعدين قال الجملة اللي شقلبت حياتي: ”أهي نازلة اهي”. التفتّ ورايا. لقيت ست خارجة من أسانسير المديرين، لابسة فستان سواريه هادي وكعب عالي، ولابسة عقد ألماظ كان بيلمع تحت إضاءة الصالة زي السكينة. كانت أصغر مني بخمستاشر سنة على الأقل. شقراء، مهتمة بنفسها لآخر دقة، وثقتها في نفسها في السما. من نوعية الستات اللي عمرها ما شالت هم إن تراب الطوابير العسكرية أو الميدان يتبهدل بيه شعرها. اتنين موظفين كانوا معديين في الصالة ابتسموا لها. واحد منهم قال: “صباح الخير يا مدام كريم”. مدام كريم.. اسمي أنا. بيتي أنا. حياتي أنا. الست هزت راسها برقة وبابتسامة خفيفة، وبعدين بصت في عيني علطول. عيوننا اتقت لثانية واحدة. في حاجة ظهرت على وشها.. ما كانش ارتباك ولا تفاجؤ. كان معرفة.. صدمة معرفة. كان المفروض أصرخ، كان المفروض أجري وراها، كان المفروض أطلع فوق مكتب كريم وأقلب الدنيا عليه. بس اتنين وتلاتين سنة خدمة في القوات المسلحة المصرية زرعوا في عضمي غرايز وتدريب من نوع خاص. لما الأرض تتهز تحت رجلك، ما تصرخش.. ادرس الموقف، خد نفسك، واجمع الحقائق والمعلومات قبل ما تاخد القرار أو تضرب نار. عشان كده لفيت لافرد الأمن واجبرت نفسي على ابتسامة هادية. وقلتله: “أكيد سوء تفاهم”. الراجل حس بالراحة وقال: “بيحصل كتير يا فندم، متقلقيش”. قلت في بالي: لا مبيحصلش، مش بالطريقة دي. برة المبنى، شمس الضهر ضربت في وشي بحرارة حامية. مشيت لحد مقعد قريب من الرصيف وقعدت، وحطيت شنطتي الصغيرة اللي فيها هدوم ليلة واحدة جنب جزمتي الميري المتلمعة. العربيات كانت داخلة وخارجة من الجراج، والموظفين بيجروا وشايلين كوبايات القهوة واللاب توب.. الحياة حواليا كانت ماشية طبيعية جداً ولا كأن في مصيبة حصلت. موبايلي رن بصوت رسالة. رسالة من كريم: “وحشتيني يا إلهام، بعد الأيام عشان ترجعي بالسلامة”. فضلت مبحلقة في الكلام لحد ما عيني غيمت بالدموع. هو فاكر إني لسة في الخدمة في المعسكر ومستقرة هناك لشهر كمان. فاكر إني صاحية في السكن العسكري على بعد مئات الكيلومترات، ومش قاعدة برة مكتبه بعد ما عرفت إن في ست تانية خدت مكاني واسمي وحياتي. التفسير البديهي والسهل إنها خيانة وعلاقة تانية. بس العلاقات المستخبية بتفضل مستخبية. الست دي ما كانتش مستخبية خالص، دي كانت ماشية في شركته كأنها صاحبة المكان، الموظفين بيحيوها، والأمن عارفها، ومحدش بيهمس ولا حد حاسس بالذنب. ده معناه إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد خيانة زوجية. ده كان استبدال كامل. بعد الظهر، حجزت في فندق صغير باسمي قبل الجواز “إلهام علام”. مش خوفاً من إن كريم يلاقيني، بس كنت محتاجة هدوء.. كنت محتاجة مكان أوقف فيه دور الزوجة المصدومة، وأبدأ أفكر بعقلية الضابط والقائد اللي قضيت عمري كله ببنيه. من شباك الأوضة، كنت شايفه بيوت وشوارع القاهرة وهي بتنور مع وقت المغربية. في مكان ما في المدينة دي، جوزي كان يمكن قاعد بيتعشى مع الست اللي كل الناس فاكرينها مراته. فتحت اللاب توب بتاعي. أول حاجة عملتها إني بحثت عن موقع الشركة بتاعته. ”المنشاوي للشحن والخدمات اللوجستية”. مؤسسها كريم المنشاوي. رئيس مجلس الإدارة. رجل أعمال معروف. زوج. ورجل وطني. كان فيه صور كتير من حفلات خيرية، وافتتاحات، وتبرعات لجمعيات رعاية أسر الشهداء والمحاربين القدامى، وتبرعات للمستشفيات، ودورات كورة. وكانت هي موجودة في كل حتة. مرة ورا مرة. الست الشقراء دي كانت واقفة جنبه في كل صورة تقريباً، إيدها على دراعه، وابتسامته دافية وفخورة ومش غريبة عليا. الكلام اللي تحت الصور كان مكتوب فيه: “حرم الأستاذ كريم، المدام جيهان”. جيهان المنشاوي. فضلت أقلب في الصور صورة ورا صورة لحد ما صوابعي سقعت من الصدمة. في صورة منهم، كانت حاطة حلق اللولي بتاعي أنا. وفي صورة تانية، كانت واقفة في جنينة بيتي ليلة العيد، وماسكة كباية عصير جنب الدفاية اللي أنا بنفسي نقيت تصميمها وطوبها. وبعدين شفت الصورة اللي خلت الأوضة تلف بيا وتختفي. كريم وجيهان واقفين على مسرح في حفلة تكريم وتبرع للقوات المسلحة السنة اللي فاتت. وراهم كان فيه علم مصر كبير متعلق. وفي رقبة جيهان.. كانت “القلادة العسكرية” بتاعتي.. وسام نجمة سيناء اللي الدولة كرمتني بيه، واللي كريم كان شايلهالي في الحفظ والصون بعد ما اترقيت لرتبة عقيد. مكتوب تحت الصورة: “الأستاذ كريم المنشاوي وحرمه جيهان، من أكبر الداعمين لأسر أبطالنا”. أسر أبطالنا؟ قفلت اللاب توب بقوة وعنف لدرجة إن المكتب اتهز. لمدة دقيقة كاملة، ما كنتش قادرة أتحرك من مكاني. #حكايات_صافي_هاني وفجأة موبايلي رن. كانت بنتي “فريدة”. قالتلي بصوت قلقان: “ماما؟ إنتي رجعتي مصر؟” صدري ضاق ونفَسِي اتكتم: “ليه يا فريدة؟ في ايه؟” حصل سكات لثواني. ”عشان بابا لسة مكلمني حالا.. صوته كان مرعوب وبيترعش، وسألني لو كنت اتكلمت معاكي أو كلمتيني”. وقفت على رجلي بالراحة: “وقالِك إيه بالظبط؟” صوت فريدة وطي وبقى خايف: “قالي لو كلمتك أو ظهرت، لازم أبلغه فوراً ومقولكيش إنه سأل”. أوضة الفندق بقت هسس.. ومفيش فيها أي صوت غير نفسى. جوزي عرف. بطريقة ما، كريم عرف إني في مصر ونزلت إجازة. #حكايات_صافي_هاني ومن نبرة الرعب اللي في صوت بنتي، فهمت حاجة أصعب وألعن بكتير. هو مش قلقان على جوازنا ولا خايف من الفضيحة.. هو مرعوب من اللي أنا ممكن أكتشفه بعد كده.. يتبع في الجزء الثاني…القصه كامله ع الصفحه هنا اضغط هايوصلك 👈🏼 عالم السطور 👉🏻 القصه ماتنساش تعملي متابعه ولايك عشان القصص هناك معظمها حصري وعشان يوصلك كل جديد♥♥♥♥♥♥♥ @أبرز المعجبين المشهد الأول: القلادة فضلت واقفة قدام الشباك، والموبايل في إيدي، وصوت فريدة لسه بيرن في ودني. قلت لها بهدوء مصطنع: “فريدة، اسمعيني كويس. إنتِ ما شفتيش ماما، وما كلمتينيش، ومحدش يعرف إن أنا هنا. فاهمة؟” قالت بسرعة: “ماما أنا خايفة.” “الخوف هو اللي هيخلينا نغلط. وإحنا مش هنغلط.” سكتت شوية، وبعدين سألتني: “إنتِ شوفتي حاجة؟” بصيت ناحية اللاب توب المقفول. “شفت حاجات كتير.” “بابا بيخبي إيه؟” ما جاوبتش. لأني لأول مرة في حياتي، ما كانش عندي جواب. أنا قضيت عمري أتعامل مع الخطر لما يكون واضح: أمر، مهمة، تهديد، تحرك مشبوه، موقف لازم يتاخد فيه قرار خلال ثواني. لكن اللي قدامي كان مختلف. الخطر كان عايش معايا في البيت. بياكل معايا. بينام جنبي. وبيصحى الصبح يقول لي: “خدي بالك من نفسك.” قلت لفريدة: “خلي بالك من نفسك، ومتفتحيش الموضوع مع بابا. وأنا هكلمك.” قفلت المكالمة. وبعدها عملت حاجة ما كنتش أتخيل إني ممكن أعملها. رجعت أفتح صور الشركة. كبرت صورة الحفل اللي فيها جيهان لابسة وسامي. لكن وأنا بدقق في الصورة، لاحظت حاجة غريبة. الوسام كان ظاهر على صدرها، لكن السلسلة نفسها… ما كانتش سلسلة الوسام الأصلية. أنا عارفة وسامي كويس. عارفة وزنه، شكله، طريقة تثبيته، وحتى الخدش الصغير اللي كان موجود على الحافة. اللي في الصورة كان نسخة. لكن ليه كريم يعمل نسخة من وسامي؟ وليه يلبسها لامرأة ويقدمها للناس باعتبارها حرم رجل أعمال داعم للقوات المسلحة؟ فتحت الصورة الأصلية بجودة أعلى. كبرت الخلفية. ورا كريم وجيهان كان فيه لافتة كبيرة، وتحتها شعار مؤسسة خيرية باسم: “مؤسسة نجمة سيناء للرعاية والتنمية.” اتجمدت. أنا عمري ما سمعت عن المؤسسة دي. بحثت عنها. لقيتها مسجلة فعلاً. والأغرب إن رئيس مجلس الأمناء كان… كريم المنشاوي. لكن الاسم اللي بعده خلاني أرجع بضهري للكرسي. جيهان علام. علام. نفس اسم عيلتي. نفس اللقب اللي أنا كنت بحمله قبل الجواز. اتنفضت من مكاني. فتحت ملفات قديمة كنت محتفظة بيها على اللاب توب. شهادات، صور، خطابات تكريم، أوراق خدمة. بدأت أدور في أسماء العيلة. لحد ما لقيت صورة قديمة لأبويا. وبجانبها ورقة قديمة جداً. في الورقة كان فيه اسم كامل: جيهان محمود علام. أختي. اللي ماتت وأنا عندي تسعة عشر سنة. اللي دفناها بإيدينا. اللي قضيت سنين وأنا مقتنعة إن مفيش منها غير الذكرى. قفلت عيني. “مستحيل…” رجعت للصورة. جيهان الشقراء. جيهان المنشاوي. المرأة اللي كل الناس بتقول إنها زوجة كريم. وبصيت تاني للاسم الموجود في الورقة. جيهان محمود علام. وفجأة افتكرت حاجة. أختي كان عندها علامة صغيرة جداً تحت أذنها اليمين. علامة بنية على شكل هلال. قربت الصورة من الشاشة. وقلبت صورة الحفل. كبرت وش جيهان. وسكتُّ تماماً. العلامة كانت موجودة. لكن قبل ما أستوعب، موبايلي اهتز. رسالة من رقم مجهول: “لو عايزة تعرفي مين جيهان بجد، متروحيش بيتك الليلة.” وبعدها بثواني وصلت رسالة تانية: “لأن كريم مستنيكي هناك.” — المشهد الثاني: البيت اللي مبقاش بيتي ما روحتش البيت. لكن مش معنى كده إني هربت. أنا طول عمري مؤمنة إن أصعب لحظة هي اللحظة اللي بتقرر فيها هتتحرك إزاي. قعدت ساعة كاملة في الفندق، من غير ما ألمس التليفون. وبعدين لبست هدومي العادية، وسيبت الزي العسكري في الشنطة. أخدت عربيتي واتجهت ناحية البيت. مش هدخل. كنت محتاجة أشوف. بس من بعيد. وصلت قبل منتصف الليل. البيت كان منور. بيتنا. البيت اللي أنا وكريم اشتريناه بعد أول عشر سنين جواز. البيت اللي كنت بزورعه بنفسي. البيت اللي كل طوبة فيه شاهدة على سنين من عمرنا. وقفت بعيد. بعد عشر دقايق، وصلت عربية كريم. نزل منها. وبعده نزلت جيهان. كنت متوقعة أشوف رجل خائن وست بتسرق زوج امرأة. لكن اللي شوفته خلاني أحس إن في حاجة غلط. كريم ما لمسهاش. ما قربش منها. كان بيتلفت حواليه كأنه خايف حد يراقبه. وبعدين فتح لها الباب. دخلوا. استنيت. نصف ساعة. ساعة. وفجأة نور الدور الأرضي انطفى. وبعده نور الصالة. وبعدها نور المكتب. لكن نور غرفة أبي… اشتغل. أنا عمري ما شفت كريم يستخدم غرفة أبويا. أبويا مات من سنين. والغرفة فضلت مقفولة. طلعت موبايلي وصورت البيت من بعيد. وفي اللحظة دي، عربية سودا وقفت جنبي. الزجاج نزل. نفس سواق الأمن اللي قابلني الصبح كان جوه. بصلي وقال: “كنت عارف إنك هترجعي.” قلت: “إنت مين؟” قال: “أنا مش مجرد فرد أمن.” وبص للبيت. “ولو دخلتي دلوقتي، ممكن متخرجيش منه بنفس الحقيقة اللي دخلتي بيها.” فتحت باب العربية. “اتكلم.” هز راسه. “مش هنا.” “يبقى فين؟” بص حوالينا، وبعدين قال: “في مكان جوزك عمره ما يعرفه.” ركبت. العربية اتحركت. وبعد حوالي عشرين دقيقة، وقف قدام مخزن قديم. دخلنا. ولما النور اشتغل، شفت على الحائط صوراً. صور كريم. صور جيهان. صور فريدة. وصوري أنا. كل صورة عليها تاريخ. وأسماء. وفي منتصف الحائط كانت فيه صورة كبيرة جداً لأختي جيهان وهي في سن العشرين. بصيت للرجل. “إنت بتقول إن دي أختي؟” قال: “لأ.” سكت. وبعدين قرب من الصورة. “دي أختك فعلاً.” “بس أختي ماتت.” “دي النقطة اللي جوزك قضى واحد وتلاتين سنة يخبيها.” قربت منه. “قول.” فتح درج حديدي. طلع منه ملف قديم. حطه قدامي. على الغلاف كان مكتوب: ملف جيهان علام — سري للغاية. مديت إيدي. لكن قبل ما ألمسه، قال: “قبل ما تفتحيه، لازم تعرفي إن جوزك مش كان بيخونك.” بصيت له باستغراب. قال: “كان بيحميكي.” فتحت الملف. وأول ورقة شفتها كانت شهادة وفاة. لكن الاسم المكتوب عليها… مش اسم جيهان. كان اسمي أنا. — المشهد الثالث: واحد وتلاتين سنة من الكذبة حسيت إن الدم انسحب من وشي. “إيه ده؟” الرجل ما ردش. قلبت الورقة. تاريخ الوفاة كان قبل واحد وتلاتين سنة. نفس السنة اللي أنا اتجوزت فيها كريم. رفعت عيني له. “إنت بتقول إيه؟” قال: “أنا بقول إن اليوم اللي اتجوزتي فيه كريم… كان فيه شخص تاني المفروض يموت.” “مين؟” “إنتِ.” سكت. كنت حاسة إني وسط حلم سخيف. لكن كل التفاصيل كانت حقيقية زيادة عن اللزوم. قال: “أختك جيهان اكتشفت حاجة كبيرة وهي صغيرة. حاجة كانت تخص ناس خطرين. حاولت تبلغ، لكن الموضوع اتقلب عليها. حصل حادث، والكل افتكر إنها ماتت.” قلت: “بس إحنا دفناها.” “اللي اتدفن ما كانش جيهان.” اتسعت عيني. “أمال مين؟” “ده السؤال اللي كريم قضى حياته يحاول يمنعك من معرفته.” قلبت الملف بسرعة. صور. تقارير. أسماء شركات. تحويلات مالية. وبعدين صورة قديمة لكريم. كان أصغر بحوالي ثلاثين سنة. واقف جنب رجل أنا عارفة شكله. أبويا. لكن اللي صدمني إن جيهان كانت واقفة بينهم. حية. وبجانب الصورة تاريخ بعد سنة من “وفاتها”. قلت: “إزاي؟” الرجل قال: “لأن أختك كانت عايشة.” “فين؟” سكت. “قول!” قال: “كانت في حماية كريم.” حسيت إني مش قادرة أتنفس. “كريم كان يعرف إنها عايشة؟” “مش بس يعرف.” مد إيده وأخرج ظرفاً. “هو اللي ساعدها تختفي.” فتحت الظرف. جواه خطابات. كلها بخط كريم. خطابات ما اتبعتتش. خطاب من السنة الأولى لجوازنا. خطاب بعد ولادة فريدة. خطاب في ذكرى جوازنا العاشرة. وآخر خطاب كان حديث. فتحت أول صفحة. وكان مكتوب: “إلهام، لو وصلتي للخطاب ده، يبقى أنا فشلت في آخر حاجة وعدت بيها أبوكي.” وقفت. كملت: “وعدته إني أحميكي من الحقيقة حتى لو كرهتيني بسببها.” دموعي نزلت من غير ما أحس. لكن آخر سطر كان أقسى: “جيهان رجعت، وهي مش الشخص الوحيد اللي رجع من الماضي.” رفعت عيني. “مين التاني؟” الرجل بصلي مباشرة. “الراجل اللي تسبب في موت أبوكي.” اتجمدت. أبويا مات من جلطة. دي الحقيقة اللي عشنا عليها. قال: “أبوكي ما ماتش بجلطة.” الملف وقع من إيدي. “إنت بتكدب.” “كنت أتمنى.” وقبل ما يكمل، سمعنا صوت عربية بتقف برة. الرجل بص للباب. وشه اتغير. قال بصوت منخفض: “كريم وصل.” — المشهد الرابع: الحقيقة اللي استنيت 31 سنة الباب اتفتح. كريم دخل. لوحده. من غير حراسة. من غير جاكت البدلة. كان شكله مختلف. لأول مرة أشوفه كده. مش رجل الأعمال. مش الزوج. مش الراجل اللي الناس بتهابه. كان مجرد كريم. الراجل اللي عشت معاه واحد وتلاتين سنة. وقف قدامي. بص للملف. وبعدين بصلي. وقال: “كنت عارف إنك هتوصلي له.” صرخت فيه: “ليه؟!” ما اتحركش. “ليه عملت كل ده؟” قال: “عشان أحميكي.” ضحكت. ضحكة مرة. “تحميني؟ أنت جبت واحدة باسم أختي، وخليت الناس تقول إنها مراتك، ولبستها حاجتي، ودخلتها بيتي، وخليتني أعيش واحد وتلاتين سنة وأنا فاكرة إن أختي ماتت!” قال: “جيهان مش مزيفة.” “إذن مين هي؟” سكت. وبعدين قال: “أختك.” “ليه ما رجعتهاش؟” “لأن اللي كان بيدور عليها كان هيقتلكم كلكم.” قلت: “ومين هو؟” كريم قرب خطوة. “أبوكي.” تراجعت. “إيه؟” “أبوكي كان بيحاول يكشف شبكة كبيرة. لكن قبل ما يكمل، اكتشف إن واحد من أقرب الناس ليه كان متورط.” “مين؟” بص لي. وقال اسم الشخص. الاسم اللي عمري ما توقعت أسمعه. عمي. أخو أبويا. صرخت: “عمي مات من عشرين سنة!” قال كريم: “موته كان أول كذبة بعد كذبة وفاة جيهان.” سكتُّ. وبعدين قلت: “وجيهان؟” كريم نزل عينيه. “جيهان كانت بتحاول ترجع لك من سنين.” “وأنت منعتها؟” “أنا حاولت أحميها.” “ليه كانت بتظهر كأنها مراتك؟” هنا لأول مرة كريم ما عرفش يجاوب. فضل ساكت. فصرخت: “جاوبني!” رفع عيني. وقال: “لأن الحقيقة كانت أخطر من إنك تعرفيها.” وفي اللحظة نفسها، باب المخزن اتفتح بعنف. ودخلت جيهان. لكنها ما كانتش لابسة الفستان ولا الكعب. كانت لابسة هدوم بسيطة. وشعرها مربوط. وملامحها منهارة. بصتلي. وعينيها اتملت دموع. وقالت: “إلهام…” سكتت لحظة. وبعدين قالت: “أنا آسفة.” قلت: “على إيه؟” قربت مني. “على إني خليتك تكرهيني.” هزيت راسي. “أنا مش فاهمة حاجة.” قالت: “لأن اللي كريم مخبيه عنك… مش عن الماضي.” وقفت قدامي مباشرة. “عن فريدة.” اتجمدت. “مالها فريدة؟” جيهان بصت لكريم. كريم غمض عينيه. وجهان قالت: “فريدة مش بنتك يا إلهام.” انفجر الصمت في المكان. وأنا بصيت لكريم. لكنه ما أنكرش. بس قال جملة واحدة… “فريدة بنت جيهان.” ما سمعتش غير آخر جملة. “فريدة بنت جيهان.” فضلت أبص لكريم، وبعدين لجيهان، وبعدين أرجع أبص لكريم. كنت مستنية حد يضحك ويقول لي إن دي مسرحية سخيفة. لكن محدش ضحك. صرخت: “إنتوا بتقولوا إيه؟!” جيهان بدأت تعيط. “إلهام، اسمعيني…” “متقوليش اسمعيني! أنا سمعت كفاية!” اتجهت ناحية كريم. “فريدة بنتي!” قال بهدوء: “أنا عارف.” “أنا اللي ربيتها!” “عارف.” “أنا اللي حملتها تسع شهور!” هنا كريم سكت. ضحكت وأنا بعيط. “إذن إزاي تقول لي إنها مش بنتي؟” جيهان مسحت دموعها وقالت: “لأنك حملتيها مكانّي.” وقفت. الجملة دي كانت أغرب من كل اللي سمعته. قلت: “يعني إيه؟” جيهان قربت. “في اليوم اللي حصل فيه الحادث… كنت أنا حامل.” بصيت لكريم. “وإنت كنت عارف؟” هز راسه. “كنت عارف.” “والطفلة؟” جيهان قالت: “اتولدت وأنا مستخبية. لكن الناس اللي كانوا بيدوروا عليا كانوا عارفين إني حامل. لو عرفوا إن بنتي اتولدت، كانوا هيستخدموها عشان يوصلوا لي.” قلت: “فإنتِ اديتيها لي؟” هزت راسها. “كريم أخدها منك؟” كريم رد: “لأ.” وبصلي. “أنتِ كنتِ فاكرة إنك ولدتِ فريدة.” رجعت خطوة. “فاكرة؟” قال: “لأن الولادة نفسها كانت جزء من الخطة.” حسيت الدنيا بتلف. “إنت عايز تقول إني ما ولدتش بنتي؟” جيهان قالت بصوت مكسور: “إلهام… إنتِ كنتِ حامل فعلاً.” سكتت. “لكن الطفل اللي ولدتيه ما عاشش.” ما قدرتش أتكلم. “إيه؟” كريم قرب مني. “الطفلة اللي اتولدت ليكي ماتت بعد الولادة.” شهقت. “لأ.” “إلهام…” “لأ!” رفعت إيدي في وشه. “أنا شفتها!” قال: “كانت طفلة تانية.” “إنت كداب!” “كنتِ تحت تأثير الأدوية، وحالتك كانت صعبة. الطبيب اللي كان متابعك كان واحد من الناس اللي بيثق فيهم أبوكي.” قلت: “وفريدة؟” جيهان اقتربت. “فريدة كانت بنتي.” بصيت لها. “يعني طول السنين دي…” قالت: “كنت بشوف بنتي من بعيد.” اتسعت عيني. “كل عيد ميلاد كنتِ بتبعتي لها هدية؟” هزت رأسها. “أيوه.” “الخطابات اللي كانت بتيجي من قرايبك؟” “أنا.” “الحلي اللي كانت بتوصل لها؟” “أنا.” “والست اللي كنتِ فاكرة إنها خادمة في بيتنا وبتجيلنا كل فترة؟” سكتت. عرفت الإجابة. أنا طول عمري كنت فاكرة إن فريدة عندها قريبة غريبة بتحبها زيادة عن اللزوم. طلعت أمها. قلت: “ليه ما قولتيليش؟” جيهان بصتلي بعينين مليانة وجع. “لأن كل مرة كنت أشوفك بتضحكي معاها، كنت أقول لنفسي إن أمومتك ليها أهم من حقي فيها.” كريم قال: “والأهم إن لو الحقيقة ظهرت، كانوا هيقتلوا فريدة.” سكتنا. ثم سألت: “مين كانوا؟” كريم ما ردش. جيهان هي اللي قالت: “الناس اللي أبويا اكتشفهم.” “مين؟” قالت: “كانوا جوه المؤسسة اللي أبويا اشتغل فيها.” ثم بصت لكريم. “لكن الشخص اللي كان بيحركهم من البداية… ما كانش عمي.” تجمد كريم. قال: “جيهان.” لكنها كملت: “كان شخص أقرب لنا من أي حد.” سألتها: “مين؟” جيهان بصت في عيني. وقالت: “جوزك.” لكن قبل ما أصرخ، مد إيده وأخرج صورة قديمة. حطها قدامي. الصورة كانت لثلاثة أشخاص. أبويا. عمي. وكريم. وفي الخلفية كانت فيه عربية سوداء. نفس العربية اللي أنا شفتها من شوية قدام الفندق. قلت: “إنت كنت معاهم؟” كريم قال: “كنت معاهم… قبل ما أعرف الحقيقة.” “وبعدين؟” رفع عيني. “وبعدين وقعت في حبك.” قلت: “الحب مش بيمسح الجريمة.” قال: “عشان كده قضيت واحد وتلاتين سنة بدفع تمنها.” وفجأة موبايلي رن. اسم المتصل ظهر على الشاشة: فريدة. رديت. جالي صوت بنتي، لكن كان فيه بكاء. “ماما…” “فريدة! إنتِ فين؟” سكتت. وبعدين قالت: “بابا كان عندي.” قلبي وقف. “قال لي إنك هتفضلي ساكتة.” “فريدة، اخرجي من المكان فوراً.” قالت بصوت مرتعش: “مش هقدر.” “ليه؟” سمعت صوت راجل في الخلفية. وبعدين فريدة همست: “لأن الراجل اللي معايا… بيقول إنه جدي.” اتسعت عيني. “جدك مين؟” سكتت. وبعدين سمعت صوت الرجل نفسه. صوت هادي جداً. لكنه كان صوتاً أعرفه. صوت رجل كنت فاكرة إنه مات من عشرين سنة. قال: “مساء الخير يا إلهام.” المشهد السادس والأخير: النهاية فضلت ماسكة الموبايل، مش قادرة أتكلم. الصوت اللي سمعته كان مستحيل. أنا عارفة الصوت ده. سمعته آلاف المرات وأنا صغيرة. صوت عمي. الرجل اللي كريم قال إنه مات من عشرين سنة. قلت بصعوبة: “إنت…” ضحك بهدوء. “أيوه يا إلهام. أنا.” حسيت إني فقدت القدرة على التفكير. بصيت لكريم. كان واقف قدامي ووشه شاحب. قلت: “إنت كنت عارف إنه عايش.” قال: “من فترة قصيرة.” صرخت: “وفريدة معاه!” هز راسه. “عشان كده أنا كنت بحاول أوصلك قبل ما هو يوصل لها.” جيهان كانت واقفة بتعيط. قالت: “هو اللي كان بيدور علينا طول السنين.” مسكت الموبايل بقوة. “إنت عايز إيه من بنتي؟” جاء صوته من الهاتف: “مش عايز بنتك.” سكت لحظة. “أنا عايز الحقيقة.” قلت: “أي حقيقة؟” قال: “الحقيقة اللي أبوكي دفنها قبل ما يموت.” ثم أغلق المكالمة. خرجت من المخزن وأنا شبه فاقدة السيطرة. لكن كريم لحقني. “إلهام، استني.” لفيت له. “مش هسيب فريدة.” قال: “ولا أنا.” لأول مرة منذ ساعات، شفت في عينيه نفس الرجل اللي اتجوزته من واحد وتلاتين سنة. مش رجل الأعمال. مش الكذاب. زوجي. والأب اللي عاش عمره كله يحاول يحمي بنت مش بنته. ركبنا العربية. جيهان ركبت معانا. وأثناء الطريق، بدأت الصورة تكتمل. أبويا اكتشف شبكة فساد كبيرة. عمي كان واحداً من أفرادها. كريم كان شاباً وقتها، واشتغل معهم من غير ما يعرف حقيقتهم. ولما اكتشف اللي بيحصل، حاول ينسحب. لكن كان الوقت فات. أبويا قرر يفضحهم. فدبروا حادثاً للتخلص منه. وجيهان كانت شاهدة. وبعدها اختفت. أما أنا، فكنت الحلقة الأضعف. كانوا فاكرين إن لو قتلوا أختي، لازم يخلصوا مني كمان. كريم قرر وقتها يعمل المستحيل. يخلي العالم كله يعتقد إن جيهان ماتت. ويخليني أنا أعيش حياة طبيعية. حتى لو اضطر إنه يخبي عني الحقيقة كلها. لكن اللي ما كانش متوقعه إن عمي يفضل عايش. وفضل سنين يبني نفوذه من بعيد. لحد ما رجع. وصلنا للمكان اللي فريدة كانت فيه. كان بيتاً قديماً على أطراف المدينة. دخلنا. لقيت فريدة قاعدة على كرسي. أول ما شافتني جريت عليا. حضنتها بكل قوتي. “ماما!” ضمّيتها. وبكيت. مش بكاء الست اللي اكتشفت إن جوزها خائن. ولا بكاء الأم اللي عرفت إن بنتها مش بنتها بالدم. ده كان بكاء أم اكتشفت إن كل حاجة حبتها في حياتها كانت واقفة على حافة هاوية. لكن لما رفعت عيني، لقيت عمي واقف بعيد. بصلي. وقال: “أخيراً يا إلهام.” وقفت قدام فريدة. “انتهت لعبتك.” ابتسم. “لأ.” بص لكريم. “دلوقتي بدأت.” وقالت: “أبويا كان عارف إن اليوم ده هييجي.” فتحنا الظرف. كان فيه تسجيل قديم، وخطاب. الخطاب كان موجهاً لي. بدأت أقرأ. “إلهام، لو بتقري الكلام ده، يبقى أخيراً عرفتي إن الحقيقة ما ماتتش معايا.” دموعي نزلت. “خليكي فاكرة حاجة واحدة: العيلة مش بالدم، العيلة باللي يفضل واقف جنبك لما الدنيا كلها تقع.” بصيت لفريدة. ثم لجـيهان. ثم لكريم. وفهمت أخيراً. كل الأسرار دي كانت مؤلمة. لكنها كانت تخبي حقيقة أكبر: أنا خسرت جزءاً من الماضي. لكنني لم أخسر عائلتي. فريدة فضلت بنتي. وجهان فضلت أختي. وكريم… كريم كان عليه حساب طويل معايا. مش لأن الخيانة حصلت. لكن لأن واحد وتلاتين سنة من عمري اتبنت فوق أسرار ما كانش من حقه يقرر وحده إني ما أعرفهاش. قربت منه. وقلت: “أنا مش هسامحك النهارده.” خفض عينيه. “عارف.” “ومش هنسى.” “عارف.” “بس لو هتفضل في حياتي…” رفع عيني. قلت: “من النهارده مفيش أسرار.” هز رأسه. ومسك إيد فريدة. أما عمي، فخرج من المكان محاطاً بالناس اللي كانوا مستنيينه من زمان. وفي اليوم التالي، بدأت الحقيقة تظهر واحدة وراء الثانية. اتفتحت القضايا القديمة. ظهرت المستندات. واتكشفت شبكة كاملة كانت مستخبية لسنين. أما أنا، فرجعت لمكاني في القوات المسلحة. لكن المرة دي ما رجعتش بنفس المرأة اللي سافرت قبلها. رجعت وأنا فاهمة إن أقسى المعارك مش دايماً بتكون في الميدان. أحياناً بتكون جوه بيتك. وأحياناً أقرب شخص ليك ممكن يخبي عنك الحقيقة بحجة إنه بيحميك. لكن الحقيقة مهما اتدفنت… بتعرف طريقها للنور. وبعد واحد وتلاتين سنة من الجواز، وقفت قدام كريم في بيتنا، وبصيت للصورة القديمة المعلقة على الحائط. صورة لينا يوم فرحنا. قلت له: “فاكر اليوم ده؟” ابتسم بحزن. “أنساه إزاي؟” قلت: “أنا كنت فاكرة إن حياتنا بدأت يوم الصورة دي.” وسكتُّ لحظة. “طلعت حياتنا الحقيقية بتبدأ النهارده.” ومن جوه الصالة، سمعت صوت فريدة وهي بتنادي: “ماما!” ابتسمت. ولأول مرة من وقت طويل… مشيت ناحية صوت بنتي وأنا مطمنة. تمت.