ابني الوحيد عنده 12 سنه
وإن الراجل اللي كان بيتمنى يشوف ابنه بيكبر، مش هيعيش علشان يشوفه حتى وهو داخل المدرسة. بعد سنتين، جوزي اتكلف بمهمة خارج البلاد. يوم سفره، كان ابني متعلق برقبته ومش عايز يسيبه. فضل يضحك ويقوله: — يا عم سيبني أروح الشغل وأرجعلك بحاجات حلوة.
لكن ابني فضل يعيط. ولما أخيرًا حطه على الأرض، بصلي جوزي وقال: — خلي بالك من نفسك ومن الواد. قلتله وأنا بحاول أخبي خوفي: — وإنت كمان خلي بالك من نفسك، ومتتأخرش علينا. ابتسم وقال: — إن شاء الله هرجع.
فاكرة صوت أمي وهي بتصرخ. وفاكرة إني كنت واقفة في نص الصالة، مش قادرة أستوعب كلمة واحدة. كل اللي كنت بقوله: — مستحيل… أكيد فيه غلط… هو وعدني يرجع. لكن مفيش غلط. الراجل اللي كنت بستناه يرجع من شغله، رجعلي ملفوف بعلم بلده.
والبيت اللي كان مليان ضحك، بقى ساكت بطريقة تخوف. السنين عدت، وأنا حاولت أكون لابني الأب والأم. اشتغلت في مدرسة خاصة، وكنت برجع أجري علشان ألحق أذاكرله وأعمله الأكل وأقعد معاه. ورغم التعب، كنت بحمد ربنا كل يوم إنه سابلي حتة من جوزي.
ابني كان شبه أبوه بطريقة توجع القلب. نفس العيون. نفس الضحكة. حتى لما يتعصب، كان بيقطب حواجبه بنفس الطريقة. ومن وهو صغير، كان متعلق بصورة أبوه. كنت ساعات أدخل أوضته بالليل، ألاقيه قاعد قدام الصورة وبيتكلم معاها.
مرة سمعته بيقول: — بابا، أنا النهارده جبت الدرجة النهائية في الحساب… إنت مبسوط مني؟ وقفت ورا الباب وعيطت من غير صوت. ماكنتش عايزة أحسسه إن حزنه بيكسرني. ولما دخلت، لقيته بيبصلي وبيسأل: — ماما، هو بابا شايفني؟
قعدت جنبه وقلتله: — ربنا أعلم يا حبيبي، بس أنا متأكدة إن باباك لو كان معانا كان هيفرح بيك جدًا. سكت شوية، وبعدين قال: — أنا لما أكبر هبقى ظابط زيه. ابتسمت ومسحت على شعره. — ربنا يحققلك حلمك يا روحي. ومن اليوم ده، بقى حلمه الوحيد إنه يدخل الجيش.
كان بيحب يتفرج على العروض العسكرية، ويحفظ أسماء الرتب، ويسألني عن كل صورة لأبوه. حتى إنه كان بيحاول يقلده في طريقة وقفته ومشيته. ولما كمل عشر سنين، بدأ يتمرن كل يوم. كان يصحى بدري، ويعمل تمارين بسيطة في أوضته، وبعدين يجري في الشارع مع أصحابه.
وكان دايمًا يقولي: — الظابط لازم يبقى قوي يا ماما. كنت بضحك وأقوله: — بس القوة مش في العضلات بس يا حبيبي، القوة كمان في العقل والقلب. فيرد بكل ثقة: — عارف… وبابا كان عنده التلاتة. لكن في يوم، كل حاجة اتغيرت.