اخويا جوزني لراجل ضرير عنده 60 سنه عشان يخلص مني ومن مشاكلي مع مراته

فجأة، مسك إيدي بثبات، وبص ناحيتي بنظرة كأنه شايفني بقلبه أكتر من أي حد بيشوف بعينيه، وقال لي بنبرة مليانة رضا ووداع هادي: “أنا أديت الأمانة يا مريم يا بنتي.. ورديت دين أبوكِ توفيق، وشفتك ست الكل والآمرة الناهية. دلوقتي أقدر أقابل ربنا وأنا مرتاح.

” في نفس الليلة، فاضت روحه لبارئها بهدوء، وهو ساجد في صلاة الفجر. مـ,ـوت الحاج عبد الجواد كان صدمة لقلبي، بس ما كسرنيش زي زمان.. لأني بقيت ست قوية، واقفة على أرض صلبة ومتحوطة بفضل ربنا ودعوات راجل صالح عوضني عن قسـ,ـوة الدنيا.

عملت له جنازة تليق بهيبته ومقامه، والشارع كله خرج يودعه بالدموع والترحم على أصل وشهامة قلّ وجودها. بعد انقضاء أيام العزا، كنت قاعدة في مكتبي الكبير بالمحل، وفتحت الخزنة عشان أطلع أوراق الأوقاف والخير اللي كان الحاج بيطلعه كل شهر.

لقيت ظرف مقفول مكتوب عليه بخط المحامي: “يوصى بتسليمه للمدام مريم بعد وفـ,ـاتي.” فتحت الظرف، ولقيت فيه وصية الحاج عبد الجواد ورسالة بصوته المكتوب: “يا مريم يا بنتي.. المال مال الله، والعز عز النفس. العمارة والمحل ومصنع الملابس الأخير كتبتهملك بالكامل، مش عشان تعيشي في رغد بس، لكن عشان تفضلي الإيد الممدودة بالخير للغريب قبل القريب.

وسري اللي ما حدش يعرفه.. إن أخوكي أحمد لما جالي زمان عشان يعرض عليا يجوزك ليا مقابل مبلغ يفك أزمته، أنا وافقت مش عشان أشتريكي، لكن عشان ألحقك من طمعهم، وحلفت ساعتها إني هخليكِ أنتِ صاحب المال والكلمة وهو اللي يعيش تحت ظلك لو اتقى الله.

” قريت الكلمات ودموعي نازلة مغرقة الورقة.. اتأكدت إن ربنا بيسبب الأسباب، وإن كل ابـ,ـتلاء عشته كان مجرد تمهيد للنعيم اللي أنا فيه. وبالفعل، فضلت أدير الشركات والمحلات بالأصول اللي اتعلمتها. أحمد أخويا فضّل شغال في المحل الصغير بعرق جبينه، وبقى ييجي كل أول شهر يستلم ماهيته من المحاسب بهدوء، يبص لي من بعيد بنظرة رجاء واستغفار، وأنا أهز له رأسي بابتسامة صلح هادية تُغنيه عن الكلام.

وهالة اتعلمت الأدب والقناعة، وبقت تربي عيالها على احترام الناس والبعد عن الغل والشماتة. وقف في بلكونة الشقة الكبيرة، وأنا بصة على الشارع والشمس بتشرق، وبفتكر اليوم اللي خرجت فيه مكسورة ومظلومة، واليوم اللي بقيت فيه صاحبة ملك وكرامة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *