اخويا جوزني لراجل ضرير عنده 60 سنه عشان يخلص مني ومن مشاكلي مع مراته

قفلت الباب وراه، وسندت ضهري عليه لثواني. حسيت برعشة خفيفة في جسمي، بس مش رعشة خوف ولا ضعف.. كانت رعشة الروح لما تنفض عن نفسها غبار السنين والمذلة. لأول مرة في حياتي أحس إن نفسي عزيزة، وإن طعم الحق لما يرجع بيبقى دافي وبيبل الريق بعد عطش طال.

مشيت بخطوات هادية في الممر الطويل، ولقيت الحاج عبد الجواد قاعد في الصالة على كرسيه الهزاز، مادد إيده على عصايته وبصص ناحية الشباك المفتوح اللي بيدخل منه هواء العصر. كان عارف مين اللي على الباب، بس ما نطقش ولا سأل، سابني آخد وقتي وأداوي جرحي بنفسي.

قربت منه، وقعدت على الشلتة القريبة من كرسيه، وقلت بصوت هادي: “مشى يا حاج.. وقلت له الكلام اللي كان لازم يتقال من زمان.” ابتسم الحاج ابتسامة دافية هزت تجاعيد وشه السمحة، وقال بنبرة مليانة حكمة: “عفوتي عنه بقلبك يا مريم، وده أصلك النضيف.. بس وقفك قدامه بقوة، ده حق كرامتك.

الراجل اللي يبيع أخته عشان يرضي مراته، ييجي عليه يوم يتداس تحت الرجلين بنفس الجزمة اللي مشي بيها على مشاعرك. ربنا ما بيبسيبش يا بنتي.” ومرت الأيام والشهور، وحياتي بقت ماشية في هدوء ونعيم ما حلمتش بيه في أجدعها يوم.

بقيت أدير المحل الكبيرة والعمارة اللي كتبهم باسمي، تعلمت الشغل والأصول من الحاج، وبقت كلمتي هي الأولى والأخيرة في كل حاجة. الناس في السوق وفي الشارع بقوا يعملوا لي ألف حساب، مش عشان الفلوس، عشان الأسلوب والهيبة اللي اتعلمتها في البيت ده.

وفي يوم من الأيام، وأنا نازلة من عربيتي قدام المحل في وسط البلد، المحت ست ماشية على الرصيف الناحية الثانية.. طالعة من محل أقمشة صغير وبترد على بياع بيزعق فيها عشان بتفاصل في قرشين. دصيت كويس.. كانت هالة!

وشها اللي كان بيشع شر وشماتة بقى باهت ومطفي، هدومها متواضعة جداً، وبايع عليها التعب والكسرة. أحمد كان أفلش في شغلانته وباع شقة أبويا اللي كنا عايشين فيها بسعر تراب عشان يسدد ديونه، ونزلوا عاشوا في حارة ضيقة في شقة بالإيجار. هالة رفعت عينها وفجأة لمحتني.

اتسمرت في أرضها، كيس القماش وقع من إيدها، وبصت لي بذهول. شافتني واقفة بفستاني الشيك، والعربية الفارهة ورايا والسواق واقف يفتح لي الباب، وعلى وشي ابتسامة رضا وثقة. ما بصيتلهاش بنظرة تشفي ولا كره، بصيت لها بنظرة شفقة..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *