الضابط أخد نفس عميق، وبص للحاجة فاطمة بنظرة فيها خليط غريب بين الشفقة والصدمة. ساد هدوء مريب في المكان، وموظفين الأمن والمسافرين في الطابور كلهم عينيهم متعلقة بالمشهد. الحاجة فاطمة كانت واقفة جسمها كله بيرتعش، طرحتها الباهتة نازلة شوية على عينها، ودموعها نازلة بغير حساب على خدوها اللي انكمشت من سنين العافية والتعب. «تعالي معايا يا حاجة لو سمحتي، وادخلي جوه في المكتب المكيّف استريحي.» الضابط قالها بصوت هادي جدًا، بعكس شدته من شوية. الست صرخت بكسرة: «أنا عملت إيه يا بني؟ والله العظيم أنا رايحة لأحفادي! أنا مش بتاعة مشاكل، طول عمري في حالي من يوم ما أبوهوم مات وأنا ماليش غير ربنا وبنتي دي!» أخدوها على مكتب جانبي بعيد عن طابور التفتيش. الضابط مسك التليفون بتاعه وطلب حد من قسم المباحث، وزميله التاني أخد الشنطة القديمة الرمادي ودخل بيها وراهم ورزع الباب بالراحة. أنا طبعًا كنت واصل للمرحلة اللي مش قادر أتحرك فيها، الفضول كان هيموتني، بس أمناء الشرطة بدأوا يمشوا الناس ويفتحوا طوابير تانية عشان الحركة ماتعطلش. جوه المكتب، قعدت الحاجة فاطمة على كرسي جلد أسود، إيديها على ركبتها وبتنهد بحسرة. الضابط حط موبايلها قدامها على المكتب، وفتح شاشة المحادثة بينها وبين بنتها اللي اسمها "سمر". الرسالة الأخيرة اللي قراها الضابط على الشاشة وماخلتش الحاجة فاطمة تشوفها كانت بتقول: (يا ماما.. الشنطة اللي جابهالك الواد سيد صاحبي، دي أمانة مهمة أوي. أول ما تصلي هناك ماتفتحيهاش خالص، فيه واحد صاحبي هييجي ياخدها منك في المطار أول ما تخرجي.. وماتقوليش للعيال إني مش موجودة، قولي لهم إني مسافرة تبع شغل عشان مايقلقوش عليكِ). الضابط قعد قصادها على الكرسي وبص لها في عينها مباشرة: «يا حاجة فاطمة… بنتك سمر فين؟» الحاجة فاطمة اتفاجئت بالسؤال، وحركت إيدها بتلقائية: «في الشقة هناك يا بني! في دبي… مستنياني مع العيال، هدى وإياد. هي بعتتلي التذكرة والشنطة مع واحد صاحبها جه لحد البيت في القليوبية واداني التذكرة والفلوس وقاللي دي الشنطة اللي بنتك جابهالك عشان تجمعي فيها الهدايا وتيجي.» الضابط سكت، وبعدين طلع تقرير سري من دراج المكتب وبدأ يبص فيه، ورجع بص للموبايل تاني. وقالها بأسلوب هادي عشان ما يقطعش قلبها مره واحدة: «يا حاجة فاطمة… بنتك سمر مش في الإمارات أساسًا.» «إيه؟!» الست عينها وسعت ودقات قلبها بقت مسموعة في الأوضة. «إزاي يا بني؟ أمال هي فين؟ دي بيكلمني كل يوم على الواتساب وبتقوللي العيال بيلعبوا جنبي!» الضابط اتنهد ونادى على زميله: «يا رئيس مباحث… هات لي الواد اللي ماسكينه في قضايا الجلب من أسبوع، وشوف لي خط سير التذكرة دي اتجزت منين بالظبط.» وبعدين التفت للحاجة فاطمة وقالها الحقايق اللي كانت مستخبية تحت قاع الشنطة الرمادي: «بنتك يا حاجة متورطة مع شبكة تهريب مواد مخدرة خطيرة جدًا بين الدول. وبنتك محبوسة أساسًا في سجن بره مصر من أسبوعين في قضية تانية خالص! والرسائل اللي بتجيلك دي… مش بنتك اللي بتبعتهالك. ده التشكيل العصابي اللي هي شغالة معاه، هم اللي واخدين تليفونها وبيكلموكي بأسلوبها عشان يستغلوكي!» الحاجة فاطمة لسانها اتعقد. الكلمات اتجمدت في حلقها. حست إن السقف بيقع عليها، والأرض بتتزلزل تحت رجليها. «بنتي؟ سمر؟ سمر الطيبة اللي مربياها على اللقمة الحلال؟ يستغلوني أنا؟ إزاي… إزاي يا بني أنت بتقول إيه؟!» الضابط بدأ يوضح لها بالراحة وهو بيفتح القاع المزدوج للشنطة قدام عينها بالمشرط: «الشنطة دي… مصنوعة بأسلوب محترف جدًا. القاع المزدوج ده محشوي بمادة "الهيروين" الخالص، بحوالي أربعة كيلو! القيمة المادية للكمية دي تساوي ملايين. العصابة عارفة إنك ست كبيرة ومسنّة، وملامحك طيبة، وأي ظابط تفتيش هيبص عليكِ هيقول دي ست بركة ورايحة تزور أحفادها ومش هيشك فيكِ لحظة. هم كانوا بيستخدموكي كـ "كارت بلانش" أو كبش فداء عشان يعدوا الكمية دي من مطار القاهرة ويوصلوها بره!» ساعتها الحاجة فاطمة صرخت صرخة شقت الهدوء اللي في المكتب: «يا لهوي يا بنتي! يا خرابي يا ناس! أنا كنت هروح السجن؟ أنا كنت ههرب سموم للعيال؟!» لمحة نيوز بدأت تلطم على خدودها بنحيب يقطع القلب. كانت المأساة مش بس إنها اتخدعت، المأساة إنها اكتشفت إن بنتها الوحيدة اللي كانت فاكراها حنينة وبتبرها، ضحت بيها وبسنين عمرها، واستخدمت طينتها وطيبتها كغطاء لعملية تهريب قذرة، بل والأدهى والأمر… إن بنتها محبوسة بعيد، والأحفاد الصغيرين مرميين عند جيران أو ناس مايعرفوهمش في دولة تانية! الضابط جاب لها كوباية مية وهداها: «اهدي يا حاجة… اهدي واشربي. الحمد لله إن الجهاز كشف اللعبة هنا قبل ما تركبي الطيارة. عارفة لو كنتِ ركبتِ ووصلتِ هناك والشرطة اللي هناك قفشتك؟ كانت عقوبتك هتكون الإعدام أو السجن المؤبد، وماكانش حد هيصدق إنك ما تعرفيش حاجة لأن الشنطة معاكِ والأمانة معاكِ!» الست كانت بتشرب المية وإيدها بتهتز، المية تقع على هدومها، وعينها زاغية. «والعيال… هدى وإياد؟ العيال فين يا بني؟» «العيال تحت رعاية السلطات هناك، ودلائل القضية دي هي اللي هتحدد مصيرهم. بس أنتِ لازم تتكلمي معانا دلوقتي بكل كلمة وكل تفصيلة: مين الواد اللي جابلك الشنطة في القليوبية؟ شكله إيه؟ جه الساعة كام؟ ونزل من عربية نوعها إيه؟» هنا بدأت الحاجة فاطمة تستجمع قواها المتهالكة. الأمومة والطيبة اتحولوا لجرح عميق، بس رغبتها في إنها تنقذ نفسها وتعرف طريق أحفادها خلتها تتكلم. «يا بني… الواد ده اسمه سيد. بييجي للبت بنتي في الإجازات، ولد طويل وأسمر، وعند علامة في وشه عند عينه الشمال. جه عندي القليوبية يوم التلات اللي فات بالليل، وقاللي: (يا حاجة، سمر بنتك بتبعتلك السلام، وأدي التذكرة وأدي الشنطة دي.. الشنطة دي فيها هدايا وهي بتقولك حطي هدومك فوقيها وما تفتحيش القاع عشان الحاجات مترتبة بخطة معينة). وأنا يا بني من خيبتي وطيبتي صدقته! قلت ده صحاب بنتي وبيخدموها! واداني خمسمية جنيه وقاللي دي مصاريف السكة للتاكسي!» الضابط كتب كل كلمة بسرعة على ورق التقرير، وبص لزميله: «عمم أوصاف الجاني فورًا، وراجع كاميرات المراقبة في الموقف اللي في القليوبية والقرية اللي قالت عليها الحاجة. هاتوا لي بيانات الواد "سيد" ده من أرشيف المسجلين خطر فورًا!» خلال أقل من نص ساعة، التحريات كانت شغالّة وزي النار في الهشيم. كشفوا إن "سيد" ده عنصر خطر في شبكة تهريب دولية، وكان هو الخيط اللي بيدير العمليات دي داخل مصر، وكان بيستغل أهالي الضحايا اللي مايعرفوش حاجة عن تجارة عيالهم القذرة. الضابط التفت للحاجة فاطمة وقالها: «يا حاجة فاطمة… أنتِ كده متهمة رسمية في قضية تهريب مواد مخدرة بحكم إن الشنطة كانت في إيدك، ولكن… اعترافك الأولي، ومعاينتنا للرسائل، وطبيعة الشنطة المصنوعة بتعقيد مش ممكن ست في سنك تقدر تعمله بنفسها، ده كله هيتقدم للنيابة العامة مع التقرير. إحنا هنحفظ حقوقك، وهتكوني تحت الحراسة لحد ما النيابة تحقق وتثبت حسن نيتك وإنك مخدوعة.» الحاجة فاطمة هزت راسها بكسرة ودموعها مش راضية تقف: «اعملوا اللي تعملوه يا بني… أنا خلاص الدنيا هانت في عيني. البت اللي كبرتها وسهرت عليها الليالي، تبيعني عشان شوية فلوس وحرام؟ تخلي أمها اللي قربت تقابل ربنا تبقى تجار مخدرات؟ يا خسارة تربيتي ويا خسارة تعبي!» مرت الساعات ثقيلة جدًا. الشنطة الرمادي القديمة اللي كانت رايحة تفرح عيال صغيرين، بقت الدليل الدامغ على جريمة بشعة. التحقيقات أثبتت بالفعل إن الحاجة فاطمة كانت مجرد مجني عليها وضحية لخديعة خبيثة، والنيابة العامة قررت الإفراج عنها بضمان محل إقامتها بعد ما أمن الدولة والبحث الجنائي قدروا يوصلوا للواد "سيد" ويقبضوا عليه في شقة مفروشة في بنها، وبحوزته كميات تانية ومبالغ مالية ضخمة. في لحظة خروج الحاجة فاطمة من سراي النيابة، كانت ماشية خطوة بخطوة، ظهرهـا انحنى أكتر من الأول بسنين. ما بقتش مسافرة، ولا بقوا العيال هينزلوا يحضنوها في مطار دبي، ولا الهدايا اللي في الشنطة اتفتحت بضحكات الأطفال. وقفت قدام باب النيابة، بصت للسما وقالت بصوت مكسور يهد الجبال: «يا رب… أنا سامحتها على اللي كانت هتعمله فيا، بس أنت الحكم العدل… احمي العيال الصغيرين من الذنب اللي مالهمش فيه يد، ورجعهم لحضني حلال طيب من غير شر.» خرجت الحاجة فاطمة ورجعت قريتها في القليوبية، مش حمالة هدايا، لكن حمالة وجع وأسى، وعبرة لكل حد ممكن يثق في حد في زمن أعمى… والشنطة الرمادي فضلت في حرز النيابة، شاهدة على إن أقسى ضربة ممكن تجي لك في حياتك… هي اللي بتجيلك من إيد أكتر بني آدم افتكرت إنه بيحبك!تمت حمايا وحماتي طردوني بعد ولادتي بتلات أيام، فبعت البيت اللي كانوا عايشين فيه بلاش! الجزء الأول بعد تلات أيام من عمليتي القيصرية، دخلت حماتي «فايزة» الأوضة وفي إيدها طبق شوربة لسان عصفور صايصة، وحطته على الترابيزة بقرفة كأنها بتحط أكل للمواشي. لا كان فيه فرخة، ولا حتى حتة لحمة. مجرد مية دافية، وعودين بقدونس عايمين على الوش، ونظرة احتقار في عينيها. — «كُلي،» قالتها بنشافة. أنا ساعتها ماكنتش قادرة أقعد من غير ما أحس إن جرح القيصرية بيتفتح في بطني من جوة. وابني يا دوب كان لسه رايح في النوم. في الصالة برة، قرايب جوزي كانوا مالين الكنب، بيزقزقوا أزأزة وصوتهم واصل لآخر الشارع، كأنهم جايين يتفرجوا على الولد وفي نفس الوقت يستنوا يشوفوا حستحمل قد إيه قبل ما أتنهر. حماتي «فايزة» حتى ما كلفتش نفسها توطي صوتها. — «بنات اليومين دول بقى جلدها رهيف أوي، تحبل وتولد وتعمل فيها البطلة اللي جابت الديب من ذيله.» ومن على الكنبة، عمي «فتحي» — حمايا — طلق ضحكة ناشفة. — «على أيامنا، الواحدة كانت تولد من هنا وتطلع الغيط تاني يوم من هنا، محدش جرى له حاجة يعني.» حد من القرايب في الصالة كركع بالضحك. بصيت للطبق بصة قهر. الست الشاطرة اللي أمي جابتهالي عشان تخدمني في السبوع، حماتي طردتها من إمبارح. قالت إن دخول الغربا البيت بيجيب الفقر، وبعدها قالت إن الدفع لست عشان تخدم واحدة لسه والده ده «رمي فلوس في الأرض». ووعدت إنها هي اللي حتشيلني وتخدمني. صحينا الصبح الساعة تمانية، وأول حاجة سألتني عنها هي ليه أنا ما قمتش أعمل الفطار! جوزي «تامر» كان واقف على باب الأوضة ماسك تليفونه. ما بصليش حتى. ولا مرة. شخطت «فايزة» وهي تكمل: — «لو أمك خايفة عليكي أوي كده، تاخدك عندها بيتها وترعاكي هناك، مش تيجي تصرفي فلوسك وتخلصي خيرنا هنا!» رفعت رأسي وبصيت لها: — «وهو ده رأي الكل هنا؟» فايزة وقفت مكانها ثانية، ماكنتش متوقعة إن لساني ينطق أو أسأل. حمايا خبط كوباية الشاي على الترابيزة برزع: — «أيوة! لو هتدلعي كده يبقى ترجعي بيت أمك. إحنا عيلتنا مش هتشغل عندك خدامين عشان تسوقي فيها الهانم!» بصيت لـ «تامر». أخيراً رفع عينه من التليفون. ماكانش في عينيه أي نقطة قلق أو حنية... كان فيها زهق وبس. — «خلاص بقى يا نورهان، بلاش دراما وتكبري الموضوع! أبوي وأمي عايزين مصلحتك. روحي قضي لك يومين عند أمك ولما تهدى أعصابك ابقي ارجعي.» ضحكت. الضحكة شتت جرح بطني لدرجة إن العرق غرق ضهري من الوجع. بس برضه ضحكت. — «تمام. ماشي.» الأوضة سكتت خالص. فايزة ضيقت عينيها واستغربت: — «قلتي إيه؟» — «قلت ماشي.» شلت الغطا من عليا. أول ما رجليا لمست الأرض، ركبي اتسحبت وماشالتنيش. اتسندت على السرير بالعافية ومضيت لحد سرير البيبي. ابني اتحرك حركة خفيفة. كان صغير أوي... دافي أوي... وحشتي أنا وبس. شيلته بحذر وبست جبهته. — «ماما وخداك وماشية يا حبيب ماما،» زمزمت بصوت واطي. تامر خطى خطوة ناحيتي: — «الولد يفضل هنا.» بصيت له بثبات: — «تعرف تعمل له الرضعة؟» سكت وما نطقش. — «تعرف بياخد كام ملّي؟» وشه اتشنج وما لراش إجابة. — «أمي هي اللي هترعاه.» بصيت لـ «فايزة» وقلت: — «أمك ما رضيتش تعمل لي لقمة عدلة أرم بيها عظمي بعد ما بطني اتفتحت بتلات أيام... بأمارة إيه فاكرة إن ليها عين تاخد بالها من ابني؟» وش فايزة أحمر من الغيظ: — «يا قليلة الأصل! يا جحدة!» ما رديتش عليها. فتحت الدولاب وطلبت شنطة المستشفى. حطيت فيها هدوم البيبي، البامبرز، شهادة الميلاد، الأدوية، وكل الحاجات المهمة. في الصالة برة الشوشرة بدأت: — «شوف القسوة والأخلاق!» — «لسه والده وشايلة ابنها ورايحة تعاند عند أهلها!» — «يا غلبك يا تامر يا بني، وقعت في واحدة مفترية!» قفلت سوستة الشنطة. الصوت كان واطي، بس الكل سكت وسمعه. تامر وقف قبالي وسد الطريق: — «نورهان، بلاش جنان وما تسوقيش فيها.» بصيت في عينيه مباشرة: — «أوعى من وشي.» وقف متسمر مكانو. زمان، ماكنتش أقدر أنطق معاه بالنبرة دي. زمان كنت ببتسم لما أمه تتريق على أكلي. كنت بصب الشاي وأنا ساكتة لما أبوه يتجاهل وجودي. كنت ببلع لساني لما أخته تدخل بيتي وتاخد اللي هي عايزاه من غير ما تستأذن. هم افتكروا إن أدبي وذوقي ضعف وقلة حيلة. بس النهاردة الوضع مختلف. بعد تلات أيام من عمليتي، كانوا بيحاولوا يرموني في الشارع وياخدوا ضنايا مني. دي مش عيلة... ده كابوس. على الباب، فايزة حاولت تقف في وشي وتمنعني: — «عايزة تغوري اغوري لوحدك! إنما الواد يفضل هنا، ده شايل اسم عيلة "العزازي"!» حضنت ابني لصدري بقوة: — «شيلته في بطني تسع شهور، ولحم جسمي اتفتح عشان أطلعه للدريا... وأنتم ما استخسرتوا فيا لقمه نظيفة، وجايين دلوقتي تقولوا ابقوا خلوه؟» قربت منها بصوت واطي ومخيف: — «في المشمش.» فايزة مدّت إيدها بغل عشان تخطف البيبي مني. في اللحظة دي، باب الشقة الكبير اتفتح. أمي دخلت وفي إيدها حافظة الطعام الحرارية. شافت الصالة مليانة ناس، وشي الأبيض زي الفرخة المذبوحة، البيبي محشور في حضني، وإيد فايزة متعلّقة في الهواء. صوت أمي نزل في الصالة زي الصاعقة: — «مين ده اللي يتجرأ يمد إيده على بنتي؟!» فايزة غيرت نبرتها في ثانية للتمثيل: — «يا أهلاً يا حجة، جيتي في وقتك! بنتك دلوعة ومش قادرة تنشف، وإحنا بصراحة مش فاضيين لطلبات الهوانم دي!» أمي ولا عبرتها ولا بصت لها حتى. مشيت ناحيتي على طول، وأول ما شافت وشي، عينيها اتملت دموع: — «نورهان... يلا بينا يا ضنايا.» هزيت رأسي. تامر اتكلم من ورايا وبصوت ناشف: — «لو خطيتي برة الباب ده النهاردة، ما ترجعيش تعيطي وتترجي!» عديت من جنبه ولا كأني سمعته: — «اللي هيعيط ويتمنى الزمن يرجع مش أنا يا تامر.» قبل ما أخرج، بصيت على الشقة بصة أخيرة. نجفة الصالة دي أنا اللي نقيتها. الباركيه ده أنا اللي وقفت على إيد العمال وهو بيركب. المطبخ ده أنا اللي دافعة ثمنه من جايبي. في الحقيقة... الشقة دي كلها أنا اللي شرياها. قبل ما أتجوزه. كاش، ومن معادي الخاص. والعقد مكتوب باسمي أنا وبس. عاشوا فيها سنتين ببلاش، لدرجة إنهم نسوا مين صاحب الملك الأصلي! في عربية أمي، ما نزلتش مني دمعة واحدة. طلعت التليفون وبعتت رسالة للسمسارة: «اعرضي شقة الجواز للبيع. بكرة الصبح. وبأسرع سعر.» تاني يوم الصبح، الساعة تسعة بالظبط، كانت يافطة «للبيع» متعلقة على باب العمارة وعلى البلكونة. ولما فايزة رجعت من السوق وشافتها، شنطة الخضار وقعت من إيدها في الشارع. تليفوني رن. رديت ببرود. صريخها كان جاي يخرم أذني من السماعة: — «يا نورهان! انتي اتجننتي ولا جرى لعقلك حاجة؟! إزاي تتجرأي تبيعي بيتنا؟!» ابتسمت وابتسم ابن نايم في حضني في هدوء: — «بيتنا؟» الجزء الثاني والأخير وقف النَفَس في حلق «فايزة» على الناحية التانية من الخط. لثواني كاملة، ماكنتش سامعة غير صوت أنفاسها وهي بتتخنق بالغل. كنت قاعدة في الأوضة اللي اتولدت وكبرت فيها في بيت أمي، وابني نايم في سرير صغير أمي اشترته له في نفس الصباحية. كانت ريحة البيت دافية؛ شوربة فراخ بلدي، غسيل نظيف، وراحة بال... راحة بال عميقة لدرجة إن صريخ حماتي كان جايلي وكأنه من حباية في دنيا تانية. — «نورهان!» صرخت في التليفون: «ترجعي فوراً وتشيلي اليافطة دي من على الباب!» بصيت لابني. كان ضامم إيديه الصغيرين جنب وشه، وبؤه مفتوح سنة، نايم في سلام تام... سلام طفل لسه ما يعرفش إن فيه عيلات بتسمي حب التملك والمصلحة "صلة رحم". — «مش راجعة يا طنط.» — «يعني إيه مش راجعة؟! دي شقة زوجية!» — «دي شقتي أنا.» — «دي شقة ابني!» — «لا، دي الشقة اللي أنا اشتريتها بفلوسي قبل ما أعرف ابنك، والعقد مكتوب باسمي أنا وبس.» سكتت ثانية، وبعدها طلعت منها ضحكة متوترة: — «انتي اتجوزتي تامر! وماله هو ملكك، ومالك هو ملك عيلة العزازي!» — «غريبة أوي،» قلتها ببرود: «إمبارح لما كنت محتاجة لقمة عدلة وراحة بعد ما بطني اتفتحت في القيصرية، ماكانتش عيلة العزازي تعرفني ولا خصها أمري. لكن النهاردة لما جيت أبيع ملكي، الكل بقوا أصحاب ملك؟» دخلت أمي الأوضة وفي إيدها صينية عليها طبق شوربة دافي، وسمعت آخر جملة. ما نطقتش... حطت الصينية على الترابيزة وبصت لي بنظرة قهر وألم من بتوع الأمهات اللي بيحبسوا دموعهم بالعافية عشان يقووا بناتهم وما ينهدوش. فايزة وِطت صوتها شوية، كأنها افتكرت إن الجيران ممكن يسمعوها في الطابق: — «بلاش فضايح! مشاكل العائلات ما تطلعش على الملا.» ضحكت. — «دلوقتي افتكرتي الفضايح والأصول؟ إمبارح هزأتيني قدام قرايبكم عشان محتاجة حد يخدمني وأنا والده! حمايا قال لي ارجعي بيت أمك! وابنك قال لي بلاش دراما! وحاولتي تخطفي البيبي مني! والنهاردة جاية تتكلمي في السترة؟» — «أنا ما طردتكيش!» — «لا طردتيني.» — «أنا قلت لك روحي ارتاحي عند أمك يومين!» — «وأنا سمعت الكلام ونفذت، ورايحة أرتاح عند أمي... وعشان كده أنتم خلاص ما بقتوش محتاجين الشقة في حاجة.» قفلت السكة في وشها. مش عشان ما عنديش كلام أقوله، بس لأني اتعلمت درس مهم في أقل من 24 ساعة: النقاش مع ناس شايفين إنهم يملكوك، ما بيدهومش غير وهم إن لسه ليهم كلمة عليك. بعد نص ساعة بالظبط، «نورا» السمسارة بعتت لي رسالة: «يا مدام نورهان، معايا مشترين جاهزين كاش، وعايزين يشوفوا الشقة الساعة حداشر.» رديت عليها: «اتفضلي المعاينة في ميعادها.» ما نزلتش... ماكنتش محتاجة أكون هناك. نسخة المفتاح الثانية كانت مع أمن العمارة بتفويض رسمي مني، والشركات كلها مسجلة باسمي. كل حاجة فايزة وفتحي عاشوا فيها سنتين وكأنها ملك أبوهُم، كانت بالقانون بعيدة تماماً عن إيديهم. الساعة حداشر ونص، نورا كلمتني فيديو call. أول ما فتحت، لقيت فايزة واقفة بسد حنك على باب الشقة، شعرها منكوش، وشنطة الخضار لسه في إيدها، ووشها أحمر من الغيظ. وحمايا فتحي واقف وراها، مربع إيديه وعلى وشه نظرة سي السيد المغتصب حقه. وجنب نورا كان واقف راجل ومراته في الخمسينات، لبسهم بسيط ووشهم باين عليه الإحراج من الموقف. — «مدام نورهان،» نورا اتكلمت بمهنية متوترة: «المشترين وصلوا، بس الأستاذة ومش راضيين يدخلونا.» فايزة هجمت على الكاميرا: — «الست دي مالهاش حق تبيع! دي شقة ابني!» — «يا نورا،» قلت بثبات: «افتحي الميكروفون.» عملت الميكروفون سبيكر، وصوتي رن في الصالة والممر: — «يا طنط فايزة، إمبارح قلتي لي إن عيلتكم مش هتشغل عندها خدامين، وطردتيني لبيت أمي بعد ولادتي بتلات أيام. أنا النهاردة بعمل الصح بالظبط: برجع ملكي.» أبواب الشقق في الدور بدأت تتفتح... الجيران طبعاً، يجروا على صوت الخناق. فايزة لما حسيت ببرطمة الجيران، وِطت صوتها: — «ما تفضحينِاش قدام الغريب!» — «انتي اللي فضحتينا لما مديتي إيدك تخطفي ابني من حضني إمبارح!» الست اللي جاية تشتري الشقة بصت لفايزة واستقذرت الموقف. حمايا فتحي خطى خطوة لقدام، ونزل بنفس نبرة الأوامر: — «يا نورهان، التصرف ده مش في مصلحتك!» أهو... ده التون بتاع كل مرة. الراجل الكبير اللي بيصدر أحكام وكأن كبر سنه ده عقد ملكية. بصيت له من خلال الشاشة: — «يا عمي فتحي، حضرتك قاعد في شقتي، بتاكل من الأكل اللي أنا بجمعه، بتستهلك مية ونور وإنترنت وعفش أنا اللي دافعة ثمنهم من جايبي... وجاي دلوقتي تقول لي إيه اللي في مصلحتي؟» وشه اسودّ من الغضب: — «أنتي بتكلمي كبار العيلة بالطريقة دي؟!» — «لما تصرفاتكم تبقى تصرفات كبار، أبقى أكلمكم بأسلوب الكبار!» صوت همس الجيران زاد في الممر: — «هي الشقة ملك العروسة؟» — «أومال كانوا قايلين إنها شقة ابنهم العزازي ليه؟» — «طردوها وهي لسه والده قيصري؟ يا ساتر يا رب!» فايزة لما سمعت الكلام ده، خطتها اتغيرت في ثانية. اترمت على الأرض قدام الباب وقعدت تصوت: — «محدش هيدخل هنا! على جثتي لو حد خطى جوة الشقة دي!» المشترين رجعوا لورا بقرف، ونورا بصت لي في الشاشة: — «مدام نورهان...» أنا ساعتها أخدت بق شوربة. جرح بطني كان بيوجعني؟ أيوة. ماكنتش قادرة أقعد ولا أمشي ولا آخد نفسي؟ أيوة. بس لأول مرة من يوم ما اتجوزت، ماكنتش حاسة بألم القهر... كنت حاسة بإني برجع حقي. — «مش لازم تدخلوا الشقة يا نورا،» قلت بثبات: «ابعتي للمشتري الفيديو الكامل للشقة، بالمساقط المترية، والصور الاحترافية، وفواتير الصيانة. لو عاجبهم السعر، نخلص البيع النهاردة.» فايزة اتسمرت مكانها على الأرض. كانت فاكرة إن جسمها لما يترمي قدام الباب يوقف البيع... ماكنتش فاهمة إن العقارات مش بالصوت العالي والردح... العقارات بالورق والعقود. المشتري اتكلم بحذر: — «يا مدام، الشقة عليها أي نزاعات قضائية أو مشاكل؟» — «ولا أي حاجة،» رديت: «خالصة الثمن بالكامل، متشرية قبل الجواز باسمي أنا وبس، والعفش والتوضيبات معايا فواتيرهم. الناس اللي جوة دول كانوا قاعدين بلقمتهم وأنا اللي سمحت لهم، ودلوقتي سحبت السماح ده.» فايزة قامت نطت: — «كذابة! إحنا دفعنا في التوضيبات!» — «دفعتم إيه؟» سألتها. فتحت بقها وما عرفتش تنطق. لأن أكبر مساهمة لفايزة في الشقة دي كانت إنها اشترت مساحتين بلاستيك يوم النقلة، وجات طلبت مني ثمنهم تاني يوم! حمايا مسكها من دراعها: — «خلاص يا فايزة... اسكتي.» بس هي كانت خلاص اتجننت: — «يا نورهان، ما تنسيش إنك لسه على ذمة تامر ابني!» — «بالظبط، فاكرة كويس،» قلت لها: «وفاكرة كمان إنه شافني بنزف وببكي من الوجع وشايلة ابنه بين إيديا، وقال لي روحيلك يومين عند أمك.» الممر كله سكت. في اللحظة دي، ظهر «تامر». جاي بيجري، قميصه مش متزرر عدل، باين إن أهله كلموه يلحق الكارثة. سحب التليفون من إيد نورا بغشم، الشاشة اتهزت جامد، وبعدين وشه ظهر قدامي. — «نورهان!» قالها وهو ضاغط على سنانه: «خلصتي التمثيلية بتاعتك دي ولا لسه؟» بصيت في وشه... الوش اللي كنت فاكراه في يوم من الأيام أماني وستري. ما حسيتش بأي حزن أو حنين، حسيت بنقاء وصفاء عجيب. — «أمك قالت نفس الكلمة من شوية. باين كده إن أي حد في عيلتكم لما يلاقي حد بيوقفه عند حده، بيسميها تمثيلية.» — «دي شقتنا!» — «دي شقتي أنا.» — «دي الشقة اللي عايشة فيها عيلتنا!» — «لا، دي الشقة اللي عيلتك كانت عايشة فيها عشان أنا كنت قابلة وساكتة.» جز على سنانه: — «مش هتعرفي تبيعيها.» — «هبيعها وهتشوف.» — «جربي تاخدي عربون واحد وشوفي أنا هعمل إيه!» قبل ما أرد، نورا اتكلمت من جنب الشاشة: — «مدام نورهان، الأستاذ المشتري موافق يخلص في السعر النهاردة بشرط واحد: يستلم الشقة فاضية قبل بكرة الصبح.» الكاميرا اتفتحت على الموقف كله... فايزة وشها أصفر زي الليمونة. فتحي خشب مكانو. تامر صوابعه ابيضت من كتر ما هو ضاغط على التليفون. مالت رأسي للشاشة وقلت: — «يبقى ابدأوا لموا حاجتكم من دلوقتي.» تامر ما صدقش إن الكلام ده بجد... وده كان أكبر غلطة عملها. كان فاكر إن واحدة لسه طالعة من غرفة العمليات من تلات أيام مش هتقدر تعمل حاجة، فاكرني ضعيفة. وأنا فعلاً كنت ضعيفة جسدياً؛ جسمي مكسر، اللبن يا دوب بدأ ينزل، المشي كان عذاب، ودموعي بتنزل لوحدها لما البيبي يعمل أي صوت من كتر التعب. بس الضعف الجسدي مش معناه الاستسلام أو العبودية. وهم لخبطوا بين أدبي وبين ضعفي لسنوات طويلة. نورا بعتت العقود للمشتري، وأنا بعت تفويض رسمي للسمسارة بالبيع وتفريغ الشقة. أمي كلمت مستشار قانوني وصديق للعيلة، الأستاذ «رفعت». راجع العقود وقال لي كلمة واحدة: — «الشقة ملكك خالص من قبل الجواز، مالهمش فيها قيد أنملة. البيع قانوني 100%، المشكلة الوحيدة إن لو رفضوا يخرجوا، هناخد إجراءات طرد.» — «أنا مش عايزة أقعد شهور في المحاكم يا متر.» — «يبقى نديهم إنذار رسمي بإخلاء فوراً، مع عمل محضر إثبات حالة لأي تلفيات في الشقة.» نورا نزلت سجلت فيديو كامل للشقة: النجفة اللي اخترتها بنفسي... الانتريه... سرير البيبي اللي تامر حتى ما كلفش نفسه يجمعه... المطبخ اللي فايزة اتهمتني فيه بإني بصرف كتير... الأوضة اللي بكيت فيها في سرّي طول فترة الحمل وتامر يقول لي «انتي هرموناتك نكدية». كل حتة في الشقة اتسجلت بالصوت والصورة. وفايزة في الخلفية بتصرخ: — «مش هنخرج! ده بيت حفيدنا!» صوت رفعت المحامي لما سمع التسجيل قال لي: — «ممتاز... الكلمة دي تفيدنا جداً في ق.ضية الطاعة أو النفقة.» على الساعة تمانية بالليل، تامر وجايب أهله وأخته الصغيرة «شهد» وجايين بيت أمي. أمي فتحت الباب، وما عزمتش عليهم يدخلوا. — «نورهان نايمة بترتاح.» فايزة حاولت تبص من ورا كتف أمي: — «عايزين نشوف الولد!» أمي وقفت سادة الباب بجسمها: — «الولد مع أمه.» فتحي برطم: — «إحنا أهله وجدوده!» ردت أمي ببرود يقطع العرق: — «وأنتم إمبارح كنتم عايزين تخطفوا البيبي من واحدة لسه طالعة من القيصرية... النهاردة ما لكمش دخول هنا.» تامر مسك دراع أمه وقال لأمي: — «يا طنط أرجوكي، عايز أتكلم مع مراتي.» أمي ما اتحركتش. أنا ظهرت من وراها شايلة البيبي، كنت لابسة روب نظيف، وشي أبيض وشفتي ناشفة، بس كنت واقفة على رجليا. تامر أول ما شافني، نظرة التحدي في وشه اتغيرت... يمكن كان متوقع يلاقيني بفتت وبعيط ومستنية حنيته. — «نورهان... الموضوع كبر وزاد عن حده.» — «لا يا تامر، الموضوع بس خرج عن السيطرة بتاعتكم.» أخته شهد ربعت إيدها وقالت: — «انتي طول عمرك نكدية ودراما! بابا وماما قالوا لك ارتاحي عند أهلك يومين بس!» بصيت لـ «شهد». شهد دي كانت بتدخل شقتي تاخد مكياجي، تلبس هدومي، وتفتح التلاجة تاخد اللي هي عايزاه وكأنها شقتها. مرة أخدت القلاية الهوائية اللي أمي جابتهالي هدية وقالت «أنا محتاجاها أكتر منك». ولما كنت أشتكي لتامر كان يضحك ويقول: «معلش، صغار العيلة!»... وكان عندها 25 سنة! — «يا شهد،» قلت لها: «هي حاجتك اللي مالية شقتي هتلميها إمتى؟» برشت بعينيها: — «إيه؟» — «جزمك، هدومك، أجهزتك... الحاجات اللي فاكراها ملكك. قدامكم لحد الساعة تمانية بكرة الصبح تلموا كراكيبكم، اللي هيتبقى هجيب شركة نقل تشيله وترميه في الشارع.» فايزة انفجرت: — «انتي بتعاملينِا كده إزاي؟!» — «أنا بعاملكم بالظبط زي ما عملتوني لما اديتوني طبق مية بقدونس بعد القيصرية وقلتم لي اغوري بيت أمك. أنا كده كريم أوي معاكم.» فتحي شاور على أمي: — «بنتك بتهد بيتها بإيدها!» أمي ضحكت ضحكة عمري ما سمعتها منها: — «لا يا حاج فتحي... انتو ولعتوا في البيت، وهي بس رفضت تتحرق جواه.» تامر مسح وشه بإيده: — «نورهان، تعالي نتكلم لوحدنا.» — «لا.» — «أنا جوزك!» — «كنت تبقى جوزي لما أمتك حاولت تخطف ابني مني.» وشه اتشنج: — «أمي كانت منفعلة!» — «وأنا كان عندي غرز في بطني!» سكت وما عرفش يرد. — «أنا مستعد أوافق على أي حاجة عشان تبيعي الشقة، بس ما ترميش أهلي في الشارع في يوم وليلة،» قالها بصوت مكسور. — «يروحوا شقتك اللي في المعادي... الشقة المتأجرة اللي مخبيها عليا من قبل ما نتجوز.» تامر اتسمر مكانو. فايزة لفت له بذهول: — «شقة إيه؟!» أهو... أول سر اتكشف. أنا كنت عرفت موضوع الشقة دي بالصدفة من كشف حساب بنكي من كام شهر. تامر كان شاري شقة صغيرة ومأجرها ويدخل إيجارها في حساب مخفي من غير ما يعلمني، ولما واجهته زمان قال لي «بعتها خلاص». ما كانش يفرق معايا زمان، بس النهاردة فرق جداً. — «ابنك عنده ملك يا طنط،» قلت لها: «لو خايف عليهم يترموا في الشارع، يوديكم شقته التانية.» فايزة بصت لبنها كأنه خانها: — «عندك شقة تانية يا تامر ومخبي عليا؟!» تامر بص لي بغل: — «ما كانش وقته تتكلمي في الموضوع ده!» — «وما كانش وقت تطرد مراتك وهي والده... كلنا بنغلط في المواعيد بقى!» على الساعة تسعة بالليل، كان العزازية كلهم بيخرجوا من الشقة. نورا كانت بتبعث لي التحديثات أول بأول. خرجوا بشنط زبالة سودة وملايات مقفولة على هدومهم، والجيران واقفين يتفرجوا عليهم على السلم. فايزة وقفت على باب العمارة وصوتت: — «الشقة دي مش هينوبكم منها غير الخراب! محدش هيفرح فيها!» الست المشتري اللي كانت واقفة تستلم الشقة بصت لها وقالت: — «والله هي أول ما حضرتك خرجتي منها والنبي انصلح حالها أوي!» نورا حكت لي الجملة دي تلات مرات، وكل مرة كنت ببتسم من قلبي. البيع اتنفذ، والفلوس دخلت حسابي. ما حسيتش بنصر ساحق... حسيت بنَفَس نقي، مساحة حرية، وسور أمان بيني وبين ناس كانوا فاكرين إنهم يملكوا حياتي. اشتريت شقة صغيرة، دور تاني بأسانسير، جنب بيت أمي. شقة شمسها دافية، مافيهاش حموات يقللوا مني، ولا أخت زوج تدخل تاخد أهدافي، ولا حما يزقزق أزأزة وأنا بنزف في السرير. أول ليلة هناك، أمي عملت لي شوربة دافية، وحطيت ابني في سريره الجديد. وقفت في الصالة الفاضية... ما كانش فيها نجف كريستال، ولا عفش غالي، ولا ذكريات سودا. ولأول مرة من فترة طويلة، حسيت إن الشقة الفاضية مش خسارة... الشقة الفاضية أحياناً بتبقى صفحة بيضا خالية من الناس الغلط. قض.ية الطلاق ما كانتش سهلة، تامر حاول يطلب حصة في الشقة أو تعويض، بس الأستاذ رفعت المحامي قفلها له بالقانون: «العقار ملك خالص للمدعية قبل الزواج، ولا يوجد أي إثبات على مساهمتك بقرش واحد.» فايزة صرخت في مكتب المحامي: — «بس إحنا عشنا فيها سنتين!» رد المحامي ببرود: — «ده اسمه انتفاع واستضافة يا فندم، مش ملكية!» تامر وافق في الآخر على الطلاق، وبدأت رحلة تنظيم الرؤية والنفقة. شرطت عليه إنه عشان يشوف الولد، يدخل دورة رعاية أطفال ويتقن أساسيات التعامل مع البيبي: إزاي يعمل الرضعة، إزاي يغير البامبرز، وإزاي يقيس الحرارة. أول مرة تامر قعد فيها قدام الممرضة في الدورة، كان وشهم أحمر من الخجل لما سألته «ابنك بياخد كام ملّي؟» وما عرفش يرد. بس مع الوقت، اتعلم. مش عشان يرجعلي... لأن خلاص اللي اتكسر ما بيتصلحش، بس عشان يبقى أب حقيقي لابنه وما يحولش الولد للعبة في إيد أمه. فايزة حاولت كذا مرة تجيلي الشقة الجديدة وتعمل مشاكل، بس الأمن كان بيمنعها، ولما الأستاذ رفعت بعت لها إنذار بعدم التعرض، اختفت وتمسكت بالأصول القانونية. بعد ست شهور من الولادة، جرح القيصرية التأم تماماً، وجسمي بدأ يسترد عافيته. وفي يوم، وأنا قاعدة بشرب قهوتي، ابني بصلّي وابتسم أول ابتسامة حقيقية من قلبه. ابتسامة صغيرة، بأسنان لسه ما طلعتش، بس كانت كفاية إنها تغسل كل الوجع والقهر اللي شفته. بكيت من الفرحة... وبكائي المرة دي ما كانش بكاء هزيمة، كان بكاء بداية جديدة. أنا ما بعتش شقة عشان أستنتقم... أنا بعت الوهم. وهم إن العيلة دي كانت أماني. وهم إن تامر كان ضهري. البيت راح، والجوازة راحت... بس أنا وابني ما ضيعناش. رجعت لنفسي، وبنيت بيتي الصغير من جديد... بيت ما يدخلوش غير اللي يعرف قيمة صاحبة البيت. النهاية خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد بنتي راحت معسكر كشافة لمدة أسبوع، وكنت فرحانة جدًا لما بعتتلي صورة لكن أول ما بصيت للصورة كويس، اتصلت بالمعسكر وأنا في حالة هلع. بنتي عندها 12 سنة، متفوقة في دراستها، ومن النوع اللي عمرها ما خلتني أقلق عليها أو تخليني أخاف إنها تعمل حاجة غلط. عمرها ما اتوقفت عن الدراسة، ولا دخلت في خناقة، ولا كانت من النوع اللي يتصل بالبيت عشان يقول إنه ورّط نفسه في مشكلة. فعشان كده، لما فضلت ترجاني إني أسمح لها تقضي أسبوع في معسكر الكشافة مع باقي الأطفال، وافقت في الآخر. دي كانت أول مرة تبعد عن البيت أكتر من ليلة واحدة. أول يومين، تقريبًا ما سمعتش منها خالص. كنت عارفة إن استخدام الموبايلات مش مسموح بيه أثناء الأنشطة، فحاولت ما أفضلش أتصل بيها وأطمن عليها كل شوية. لكن في اليوم التالت، موبايلي رن. كانت بعتالي صورة. كانت بتبتسم للكاميرا، وراها أجواء المعسكر العادية والناس رايحة جاية. وتحت الصورة كانت كاتبة لسه مخلصين التدريب ورايحين ناكل. شايفة؟ كل حاجة تمام. المكان هنا ممتع أوي! بحبك ووحشتيني! ابتسمت. وبعدين بصيت للصورة تاني. حاجة لفتت نظري. فضلت أبص عليها كام ثانية. وبعدين عملت تكبير للصورة. ابتسامتي اختفت. كبرتها أكتر. كان فيه حاجة في الصورة مالهاش أي تفسير منطقي. اتصلت ببنتي فورًا. مفيش رد. اتصلت تاني. ولا رد. إيديا كانت بتترعش وأنا بتصل بإدارة المعسكر، وطلبت أكلم المشرفة المسؤولة عن المجموعة بتاعتها. لما ردت عليا، شرحت لها اللي حصل وبعتلها الصورة. فضلت ساكتة كذا ثانية. قلت لها وأنا تقريبًا بهمس أرجوكي قوليلي إني بتخيل. عدّى وقت طويل من غير ما تتكلم. وبعدين صوتها اتغير. وقالتمدام إنتِ متأكدة إن بنتك هي اللي بعتتلك الصورة دي النهارده؟لايك وسيبلي كومنت وهرد عليكم باللينك بعد شوية وقت صغيرين _ حكايات أسما السيد قالت المشرفة بصوت اتغيّر تمامًا مدام إنتِ متأكدة إن بنتك هي اللي بعتتلك الصورة دي النهارده؟ قلبي دق بعنف. قلت لها أيوه. وصلتني من رقمها من حوالي عشر دقايق. ليه بتسألي؟ سكتت. سمعت أصوات بعيدة حواليها، وبعدها قالت بسرعة ممكن تستني معايا على الخط؟ لأ، مش هستنى! بنتي فين؟ بس اديني دقيقة أتأكد من حاجة. وسابت الموبايل. فضلت واقفة في نص الصالة وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني. فتحت الصورة تاني. بنتي، سلمى، واقفة قدام مبنى الأنشطة. نفس التيشيرت الأخضر بتاع المجموعة. نفس الكاب اللي اشتريناه قبل السفر بيوم. ونفس ابتسامتها. لكن المشكلة ماكنتش في سلمى. المشكلة كانت في اللي وراها. في آخر الصورة، ناحية سور المعسكر، كان فيه لوح خشبي كبير مكتوب عليه جدول الأنشطة. ولما كبرت الصورة لأول مرة، لاحظت التاريخ المكتوب أعلى اللوح. التاريخ كان من السنة اللي فاتت. في البداية قلت يمكن اللوح قديم ومحدش غيره. لكن لما كبرت الصورة أكتر، شفت حاجة تانية. جنب سلمى مباشرة كان فيه بنت واقفة بضهرها للكاميرا. شعرها طويل ومربوط بشريطة زرقا. أنا أعرف الشريطة دي. لأنها كانت بتاعة بنت أختي، نور. ونور كانت راحت نفس المعسكر السنة اللي فاتت. يعني الصورة قديمة. سلمى ما صورتهاش النهارده. طيب مين بعتها من موبايلها؟ رجعت المشرفة للخط. لكن المرة دي صوتها كان متوتر. مدام آخر مرة حضرتك كلمتي سلمى إمتى؟ قبل ما تدخل المعسكر. ليه؟ لأن سلمى ما خرجتش مع المجموعة للتدريب النهارده. حسيت نفسي مش قادرة آخد نفس. يعني إيه؟ قالت الصبح قالت إنها تعبانة شوية، ففضلت في المبنى مع مساعدة المشرفة. صرخت طب هاتيها أكلمها! سكتت. ثانيتين. ثلاثة. وبعدين قالت الجملة اللي خلت الموبايل يقع تقريبًا من إيدي إحنا بندور عليها دلوقتي ومش لاقيينها. قفلت المكالمة، وخدت مفاتيح العربية. وفي الطريق للمعسكر، موبايلي رن برسالة جديدة. من رقم سلمى. وقفت بالعربية على جنب وفتحتها. كانت رسالة من 4 كلمات بس ماما ما تصدقيش الصورة. وبعدها مباشرة وصلت رسالة تانية وما تكلميش حد هنا. رفعت عيني للطريق وأنا جسمي كله بيرتعش. لأن سلمى ماكانتش بتقول تعالي خديني. كانت بتحذرني من حد جوه المعسكر. يتبع وصلت المعسكر بعد أقل من ساعة. لقيت مديرة المكان والمشرفة مستنييني عند البوابة. أول ما نزلت من العربية سألت بنتي فين؟ المديرة حاولت تهديني الشرطة في الطريق، وإحنا قفلنا البوابات وبنراجع كل الأماكن. من إمتى بنتي مختفية؟ بصت للمشرفة. المشرفة قالت تقريبًا من ساعة. طلعت موبايلي ووريتهم الرسالتين. أول ما المديرة شافت وما تكلميش حد هنا. وشها اتغير. طلبت مني الموبايل، لكني رفضت. قلت محدش هياخد مني حاجة قبل ما الشرطة تيجي. وبدأت أمشي ناحية المباني. المشرفة جريت ورايا. حضرتك مينفعش تدخلي لوحدك. لفيت لها دي بنتي. وساعتها سمعت صوت طفلة بتناديني طنط! بنت صغيرة من مجموعة سلمى كانت واقفة بعيد. قربت مني وقالت بصوت واطي سلمى كانت خايفة امبارح. انحنيت قدامها. خايفة من إيه؟ البنت بصت حواليها قبل ما تقول لقت حاجة في الكابينة القديمة. كابينة إيه؟ أشارت ناحية الأشجار. رقم 7. المشرفة قاطعتها بسرعة مفيش حاجة اسمها كابينة 7 مستخدمة هنا. البنت ردت أنا ماقولتش إنها مستخدمة. بصيت للمشرفة. لأول مرة حسيت إن خوف بنتي ممكن يكون له سبب حقيقي. مشيت ناحية الأشجار. وصلنا لمبنى خشبي صغير، بابه مقفول بسلسلة. وعلى الباب رقم باهت 7 قلت للمديرة افتحيه. قالت المفتاح مش معانا. قبل ما أرد، البنت الصغيرة قالت سلمى قالتلي إن فيه مفتاح احتياطي تحت الحجر اللي جنب الشباك. سكت الجميع. رفعت الحجر. ولقيت المفتاح. فتحنا الباب. ريحة تراب ورطوبة خرجت من المكان. دخلت وأنا بنادي سلمى؟ مفيش رد. لكن فوق ترابيزة خشبية قديمة كان فيه موبايل. موبايل بنتي. شاشته منورة. وعليه رسالة مكتوبة ولسه ما اتبعتتش ماما، لو لقيتي الموبايل أنا خرجت من هنا بنفسي. ماحدش خطفني. وتحتها سطر أخير أنا عرفت مين اللي بعت الصورة. يتبع الشرطة وصلت وبدأت تفتش المكان. لكن اللي قلب كل حاجة كان كاميرا مراقبة صغيرة موجودة عند المخزن القريب من الكابينة. التسجيل أظهر سلمى الساعة 1117 صباحًا. كانت ماشية لوحدها. دخلت الكابينة رقم 7. وبعد 6 دقايق خرجت وهي ماسكة ورقة في إيدها. بصت يمين وشمال وبعدين جريت ناحية مبنى الإدارة. لكنها ما دخلتش. وقفت قدام الباب لحظة، وكأنها شافت شخصًا جوا خلّاها تغير رأيها. وبعدين خرجت من نطاق الكاميرا. ضابط الشرطة سأل مين كان موجود في الإدارة الساعة دي؟ المديرة فتحت سجل الحضور. وكان فيه 3 أسماء. المشرفة. موظف لمحة نيوز الاستقبال. ومسؤول قديم عن أرشيف المعسكر اسمه عماد. هنا البنت صاحبة سلمى قالت ده الراجل اللي سلمى كانت بتسأل عنه. بصينا لها كلنا. قالت إن سلمى وهي في الكابينة لقت صندوق صور قديمة لمعسكرات السنوات السابقة. ومن بينها الصورة اللي وصلتني. لكن سلمى اكتشفت إن الصورة الأصلية مختلفة. في الصورة اللي عندها، كان فيه شخص رابع واقف خلف الأطفال. أما النسخة اللي وصلتني فالشخص ده كان متشال منها. سألتها مين الشخص؟ قالت معرفش بس سلمى قالت إنها شافته هنا امبارح. بدأت الشرطة تبحث عن عماد. لكن المفاجأة إنه كان غادر المعسكر قبل نصف ساعة من وصولي. وهنا ظابط الشرطة طلب يشوف الصورة الأصلية. كبرها. ثم قال استنوا. وأشار إلى انعكاس زجاج أحد الشبابيك. كان فيه شخص بيصور الأطفال من بعيد. ولما قرب الصورة، المديرة شهقت. قالت مستحيل. سألتها تعرفيه؟ ردت ده مش عماد. وسكتت قبل ما تكمل ده مدير المعسكر القديم والراجل ده ممنوع يدخل المكان من أكتر من سنة. وفي اللحظة دي رن موبايلي. رقم مجهول. رديت. وفي الناحية التانية سمعت صوت سلمى. ماما؟ صرخت سلمى! إنتِ فين؟ قالت وهي بتبكي أنا كويسة بس متجيش لوحدك. إنتِ فين؟ همست في محطة البنزين اللي على الطريق الرئيسي. هربت من المعسكر. وبعدين قالت جملة ما فهمتهاش وقتها ماما الصورة ما اتبعتتش عشان تخوفك. أمال ليه؟ قالت عشان الشخص اللي بعتها كان عايزك تيجي. يتبع وصلنا محطة البنزين ومعانا الشرطة. وأول ما شفت سلمى قاعدة جوه المكتب الصغير، جريت عليها وحضنتها. كانت سليمة. مرعوبة، لكن سليمة. بعد ما هديت، بدأت تحكي. قالت إنها دخلت الكابينة القديمة بالصدفة أثناء لعبة بحث نظمتها المجموعة. هناك لقت صندوقًا مليان صور قديمة. وشافت صورتها من السنة اللي فاتت، يوم كانت زارت المعسكر لساعات مع بنت خالتها نور. لكن خلف الصورة كان مكتوب بالقلم لو رجعتِ هنا تاني، اسألي عن التسجيل. سلمى افتكرت إن واحدة من البنات بتعمل فيها مقلب. لكن اليوم التالي ظهر لها رجل عند سور المعسكر وسألها لقيتي الصورة؟ خافت وجريت. وفي الصباح، دخلت الكابينة مرة ثانية. وهناك لقت ظرفًا فيه فلاشة صغيرة. لكن قبل ما تعرف عليها إيه، سمعت حد بيفتح الباب. استخبت. الشخص دخل وأخذ موبايلها من فوق الترابيزة. وبعد ما خرج، سلمى هربت من شباك خلفي، ووصلت للطريق لحد ما عامل في محطة البنزين ساعدها تتصل بيا. سألتها طب مين بعتلي الصورة والرسائل؟ قالت مش أنا. الشرطة فحصت الموبايل. واكتشفوا إن الصورة اتبعتت من جهاز سلمى بالفعل أثناء وجوده في الكابينة. لكن الرسالتين اتبعتوا بعدها من جهاز مرتبط بحسابها. الجهاز كان جهازًا لوحيًا قديمًا خاصًا بالمعسكر، وكانت سلمى استخدمته في أول يوم لتسجيل بيانات نشاط. أما الفلاشة، فكان عليها تسجيل قديم. ولما الشرطة شغلته، ظهرت الحقيقة. مدير المعسكر السابق كان بيستخدم جزءًا مغلقًا من المكان لتخزين معدات ومواد تخص جهة خارجية من غير علم الإدارة، وكان موظف قديم اكتشف الموضوع وصوّر الأدلة قبل ما يسيب العمل. عماد، مسؤول الأرشيف، هو اللي احتفظ بنسخة من التسجيل. ولما شاف سلمى وعرف إنها نفس الطفلة الموجودة في الصورة القديمة، خاف إن وجود الصورة يوصلها بالموضوع، فحاول بطريقة غبية ومخيفة إنه يوصلني للمعسكر بسرعة من غير ما يواجه الشخص المسؤول مباشرة. الشرطة وصلت لعماد. واتضح إنه ماكانش بيحاول يؤذي سلمى. لكنه ارتكب خطأ كبير لما استخدم موبايل طفلة وأدخلها في موضوع أكبر منها بدل ما يبلغ الجهات المختصة بنفسه. أما المدير السابق، فتم استدعاؤه للتحقيق، واتخذت الإجراءات القانونية بخصوص ما ظهر في التسجيلات. رجعت البيت وسلمى قاعدة جنبي في العربية. طول الطريق كانت ساكتة. وبعدين قالت ماما؟ نعم يا حبيبتي؟ أنا آسفة إني خوفتك. مسكت إيدها. أهم حاجة إنك لما حسيتِ إن فيه خطر، بعدتي وطلبتي مساعدة. لكن بعد كده، لو شفتي حاجة غريبة، ما تحاوليش تحليها لوحدك. هزت رأسها. بعد يومين، وأنا بنقل صور المعسكر من موبايلها للكمبيوتر، ظهرت قدامي الصورة اللي بدأت كل الحكاية. بصيت لابتسامتها فيها طويلًا. الصورة اللي أول ما وصلتني فرحتني وبعد ثواني خلت قلبي يقع من الخوف. ومن يومها اتعلمت حاجة أوقات الخطر مش بيظهر في صورة مرعبة ممكن يستخبى جوه صورة عادية جدًا، وابتسامة جميلة، ورسالة بتقول كل حاجة تمام. بعد بضع ليالٍ، أرسلت كايلا رسالة نصية. كانت لا تزال غاضبة، ولم تكن متأكدة مما إذا كانتا صديقتين بعد الآن، لكنها اعترفت بأن الخيانة كانت ستستمر لولا تدخل أحد. ثم قالت آفا إنها قد تتغيب عن المخيم العام المقبل. بعد دقيقة، هزت كتفيها قائلة ربما أفعل. ما زلت أحب التخييم. في الوقت الراهن، بدا ذلك كافيًا. تمت.