شروق خالد 1

وقالت بسرعة:
“إحنا ما سرقناش حاجة.”
مازن رد باستغراب:
“أنا ما قلتش إنكم سرقتوا.”
سارة قالت:
“إحنا بس مشينا.”
“هربتوا؟”
سلمى همست بصوت مرتعش:
“لو سمحت… ما ترجعناش هناك الليلة دي.”
الجملة دي كسرت حاجة جواه. قبلها بثلاث ساعات بس، كان مازن قاعد لوحده في مكتبه وبيعيط.

ومحدش كان يعرف. ولا حتى أقرب الناس ليه. موظفينه كانوا عارفين مازن المنشاوي كرجل شيك وناجح، مؤسس شركة المنشاوي للتطوير العقاري، الراجل اللي شركته غيرت شكل مناطق كتير في القاهرة وبنت أبراج ومجمعات سكنية بملايين الجنيهات. المجلات الاقتصادية كانت بتصوره دايمًا ببدلته الغامقة، واقف قدام مباني زجاجية ضخمة.

وفي نظر الناس، مازن كان عنده كل حاجة. شركة قيمتها عشرات الملايين. شقة فخمة جدًا في القاهرة. عربية غالية بالكاد بيستخدمها. لوحات وتحف مش فاهم نصها. وترابيزة سفرة تكفي عشرة أشخاص، عمرها ما استقبلت أكتر من تلاتة. طول عمره كان بيقول لنفسه إنه هيعمل أسرة بعدين.

لما الشركة تستقر. بعد المشروع الجاي. بعد ما يخلص الصفقة الجديدة. السنة الجاية. لحد ما وصل للأربعين. وبعدين واحد وأربعين. وبعدين اتنين وأربعين. الليلة دي كان حضر حفلة تقاعد واحد من أقدم الموظفين عنده. مازن فضل يتفرج على الراجل وهو وسط عيلته. تلات أجيال متجمعين حواليه عشان يتصوروا.

أحفاده كانوا بيطلعوا على رجليه. مراته كانت بتظبط له الكرافتة اللي ميلة. وبنته الكبيرة كانت بتعيط وهي بتتكلم عنه قدام الناس. مازن كان بيبتسم ويصفق زي الباقيين. لكن أول ما رجع شقته…
استقبله الصمت. البيت كان فاضي. مفيش صوت. مفيش حد مستنيه. مفيش طفل بيجري عليه.

مفيش ست بتقوله: “اتأخرت ليه؟”
قرب من نص الليل، لقى صورة قديمة ليه وهو عنده تمن سنين، وكان أبوه شايله على كتفه. أبوه وأمه ماتوا ورا بعض قبل ما مازن يتم خمسة وعشرين سنة. ماكانش عنده إخوات. ولا مرات. ولا ولاد. ولا حتى حد مستنيه يرجع البيت.

ولأول مرة من سنين طويلة، مازن المنشاوي قعد على الكرسي الجلدي الغالي بتاعه وانهار في العياط. قال للبيت الفاضي:
“أنا بنيت عمارات للناس عشان تعيش فيها مع عيالها… بس نسيت أبني لنفسي بيت فيه عيلة.”

وبعدها بوقت قصير…
سمع الخبط على الباب. ودلوقتي، بنتين صغيرين واقفين قدامه. بنتين عندهم نفس ملامحه. نفس عيونه. ونفس الحركة اللي كان بيعملها وهو صغير. مازن فك السلسلة اللي على الباب وفتحه أكتر. وقال بهدوء:
“ادخلوا.”
البنتين فضلوا واقفين مكانهم. سارة سألت بخوف:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *